القطاع الأمني في الخليج: هل هو محصّن ضد الصحوة العربية؟ hldg hgp;dl

القطاع الأمني في الخليج: هل هو محصّن ضد الصحوة العربية؟

http://carnegieendowment.org/2011/11/16/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC-%D9%87%D9%84-%D9%87%D9%88%D9%85%D8%AD%D8%B5-%D9%86-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/7fxf

16 نوفمبر/تشرين الثاني، 2011 إميل الحكيّم

طبع أداء الأجهزة الأمنية خلال الصحوة العربية المسار الذي سلكته كل انتفاضة. ومن غير المفاجئ أن المراحل الانتقالية طويلة الأمد تتوقّف أيضاً على قدرة الأنظمة السياسية على كبح جماح الأجهزة الأمنية – الجيش وأجهزة الأمن الداخلي والقوات شبه العسكرية – وإصلاحها بعدما أصبحت كبيرة جداً أو نافذة جداً أو همجية جداً أو مستقلّة جداً. وفي الوقت الذي تتوافر فيه فرص للإصلاح الأمني في البلدان التي تمرّ في مراحل انتقالية، تستخلص الأنظمة التي صمدت أمام العواصف السياسية دروساً أخرى من الانتفاضات.

فباستثناء البحرين وعمان، كانت الضغوط الشعبية التي تعرّضت إليها الأنظمة الملكية في الخليج معتدلة نسبياً، نظراً إلى أن التحدّيات الاقتصادية والسياسية هناك أقل حدّة ويمكن التحكّم بها أكثر، ولاسيما بفضل الثروة النفطية. والواقع أنّ هذه الأنظمة لم تهتم باستسلام حكّام آخرين في الشرق الأوسط أمام موجة الانتفاضات الشعبية بعدما كانوا قد انهمكوا مثلها في تحصين أنفسهم من الانقلابات في الداخل، وما يؤشّر إليه ذلك من أن التركيز على الأمن الذي كان يُعتبَر من قبل ضمانة للبقاء، شكّل في الواقع عاملاً مساهماً في سقوطهم. بل على العكس تماماً، ردّت الملَكيات الخليجية بزيادة اعتمادها على القطاع الأمني وترسيخ شبكات المحسوبيات التي تربط الأسرة الحاكمة بسلك الضباط والموظفين الأمنيين المتقاعدين.

تسلّط الحالتان الكويتية والعمانية الضوء على أن الإصلاح الأمني ليس في نهاية المطاف مجرّد تحسينات تنظيمية أو عقائدية أو تدريبية، بل يتأثّر إلى حد كبير بالبيئة التي تحتضنه.

للأنظمة الملكية في الخليج عددٌ من القواسم المشتركة. فهي تستثمر بشدّة في القطاع الأمني لكنها تبقى في الوقت نفسه دولاً غير عسكرية. كما أن الجيش لاينخرط كثيراً في الأعمال أو البنى التحتية. وقد ضمنت هذه الأنظمة ولاء القوى الأمنية وقدرتها على التعويل عليها من خلال مزيج من الحوافز: المحسوبيات، المكانة المرموقة، والقدرة على الوصول إلى الحكّام. عامل القرابة هو أيضاً أداة أساسية للسيطرة الأمنية؛ ففي مختلف أنحاء الخليج، يشغل أشخاص ينتمون إلى الأسر الحاكمة المناصب الأمنية العليا، من وزارتَي الداخلية والدفاع وصولاً إلى قيادة الوحدات النخبوية. وغالباً ما يتحدّر عناصر الوحدات الأفضل تدريباً والأعلى أجراً في الجيش من قبائل الحكّام ومناطقهم. وفي معظم دول الخليج، يُمنَع الشيعة من الانضمام إلى القوى الأمنية.

تأمل الأنظمة الملكية، عبر إسناد تركيبة الأجهزة الأمنية إلى الاعتبارات العائلية والقبلية والمذهبية، في أن تحدّ من احتمال حدوث انقسام داخل هذه الأجهزة وكذلك من احتمال التحاقها بالانتفاضات الشعبية عند وقوعها.

كذلك، لجأت معظم الملَكيات الخليجية إلى السخاء الحكومي كوسيلةٍ أولى لإبعاد شبح التململ. وبطبيعة الحال، امتدّ هذا الأمر إلى القطاع الأمني حيث يُعتقَد أن كل وظيفة جديدة وكل زيادة جديدة في الأجور تعزّز السيطرة الأمنية. ففي مارس/آذار الماضي أعلنت السعودية في إطار خطة إنفاق ضخمة تصل إلى 130 مليار دولار، عن علاوات وترقيات للعسكريين، وزيادة تمويل الشرطة الدينية، واستحداث 60000 وظيفة جديدة في الأمن الداخلي. يُعزّز هذان الإجراءان نفوذ وزارة الداخلية برئاسة الأمير نايف الذي عُيِّن حديثاً ولياً للعهد، والذي يُعتقَد أنه مناوئ لإجراء إصلاحات سياسية هامة. وعلى الرغم من أن قطر لاتواجه تحدّيات داخلية، إلا أنها أعلنت أيضاً في سبتمبر/أيلول الماضي عن زيادات على الرواتب والمعاشات التقاعدية بنسبة 120 في المئة للضباط و50 في المئة للجنود النظاميين.

وفي السياق نفسه، شدّدت الإمارات العربية المتحدة قبضتها أيضاً. صحيح أن الحكومة أجرت انتخابات لاختيار المجلس الاستشاري في سبتمبر/أيلول، لكنها ردّت على الدعوات للإصلاح السياسي بسجن ناشطين. بيد أن الإمارات تتميّز بالمهنية العالية لأجهزتها الأمنية والتي تعود في جزء منها إلى المتطلّبات التي يفرضها التنوّع السكّاني وإلى الاقتصاد الآخذ في النمو، وأيضاً إلى تعزيز طموح المؤسسة العسكرية. وتشتهر أيضاً باعتمادها على المتعاقدين الأجانب للاضطلاع بمجموعة واسعة من الوظائف الدفاعية، ويبدو أن الهدف من بناء قوّة موالية للنظام من المرتزقة غير المسلمين (الذين تدرّبوا على يد شخص من طراز إريك برينس، مؤسّس “بلاكووتر”) هو استخدامها سلاحاً ضد مجمعات العمّال الأجانب المكتظّة أو الاحتجاجات المؤيّدة للديمقراطية.

تبرز الحالة البحرينية في الخليج نظراً إلى حجم الاحتجاجات الشعبية واللجوء المنهجي إلى العنف فيها. فقد ردّ النظام على الاحتجاجات الواسعة بنشر أجهزته الأمنية كافة وأجاز لها بموجب مرسوم ملكي “اتّخاذ كل التدابير الضرورية لحماية أمن البلاد ومواطنيها”. وكانت النتيجة حملة قمع واسعة ارتُكبِت خلالها انتهاكات كثيرة بحق المدنيين بما في ذلك أعمال قتل وتعذيب وتخريب. وقد استُخدِمت المحاكم العسكرية لإصدار أحكام بحق المدنيين في ظروف غامضة. وفي مؤشّرهام، حافظت الأجهزة الأمنية على تماسكها، وحقّقت أهدافاً قصيرة الأمد لصد المحتجّين واحتوائهم.

كما في باقي بلدان الخليج، لا تعكس تركيبة القوى الأمنية في البحرين المشهد السكّاني. إذ يُمنَع على الغالبية الشيعية، التي تعاني من معدّلات أعلى من البطالة في صفوفها، العمل في القطاع الأمني فيما يُوظَّف سنّة أجانب- يُعتبَرون أكثر موثوقية- عناصر في الشرطة وجنوداً في الجيش، وذلك قبل منحهم الجنسية التي يحصلون عليها في وقت لاحق. تدخّلت القوات السعودية والإماراتية في البحرين تحت غطاء ميثاق مجلس التعاون الخليجي، وتتحدّث تقارير عن تجنيد أعداد متزايدة من المرتزقة منذ بدء الانتفاضة. حُمِّلت العناصر الأمنية غير البحرينية تبعة جزء كبير من الانتهاكات، لكن قد يكون السبب ببساطة أنهم نُشِروا بأعداد أكبر من العناصر الأمنيين البحرينيين على الأرض. ومن المستبعد أن تغيّر الحكومة هذه السياسات، فهي تعتبر أن انخراط المواطنين الشيعة في القوى الأمنية قد يؤدّي إلى تمرّد مسلّح ويدفع بالبلاد نحو حرب أهلية.

سوف يتجلّى مستقبل الإصلاح الأمني في البحرين في الاستنتاجات التي ستتوصّل إليها اللجنة المستقلّة المكلَّفة التحقيق في حملة القمع وسلوك الأجهزة الأمنية في 23 نوفمبر/تشرين الثاني. هذه اللجنة، التي أنشأها الملك، تتألّف من خمسة خبراء قانونيين محترمين غير بحرينيين برئاسة الباحث القانوني الأمريكي-المصري شريف بسيوني. غير أنه ليس واضحاً بعد إذا كان التقرير سيتطرّق بالتفصيل إلى الانتهاكات، ويوصي بمقاضاة مرتكبي القمع، ويقترح تغييرات عميقة، مثل دمج جهاز الأمن الوطني في وزارة الداخلية. فمن شأن مثل هذه التوصيات أن تُظهر فعلاً أن الحكومة مستعدّة وقادرة على الذهاب أبعد من التغييرات الأمنية الشكلية. أما إذا اكتفت اللجنة بإلقاء اللوم في الانتهاكات على العناصر الأمنية المارقة أو الخارجة عن السيطرة، واقتصرت مقترحاتها على أن الحل يكمن في تحسين التدريب، فسوف ينطوي ذلك على تجاهل الاستخدام المتعمّد للقوة الذي يهدف إلى سحق المعارضة وترهيبها. وإذا اعتبرت اللجنة أن أعضاء بارزين في الأسرة الحاكمة في البحرين ضالعون في إصدار أوامر القمع وإدارة تنفيذها، فقد تتسبّب بانشقاق داخل النظام الملكي من شأنه أن يؤدّي إلى تباطؤ مجهود الإصلاح السياسي، حتى ولو كان أصلاً خجولاً جداً، أو وقفه بالكامل.

أما عُمان فقد شهدت أيضاً احتجاجات واسعة، لكن نظامها الملكي ردّ بإجراء إصلاحات أوسع نطاقاً لا سيما وأن السلطان قابوس، وخلافاً للملَكيات الخليجية الأخرى، قام بمركزة سلطته، كما أنه لايخضع بالدرجة نفسها إلى قيود السياسة العائلية. واكتسبت الاحتجاجات زخماً في مدينة صحار الصناعية في أواخر مارس/آذار الماضي قبل أن تتدخّل الشرطة (ولاحقاً الجيش) وتُبعد المحتجين عبر اللجوء إلى العنف. رداً على هذا القمع الدموي، أقال السلطان قابوس مسؤولَين أمنيين كبيرين هما وزير الداخلية سعود بن ابراهيم البوسعيدي ورئيس شعبة الاستخبارات، اللواء علي بن ماجد. فضلاً عن ذلك، سارت عمان باتجاه استقلال أكبر للقضاء عن الشرطة. وسوف يتوقّف التقدّم نحو إصلاح شامل للقطاع الأمني على منح البرلمان إشرافاً أكبر على الجيش والشرطة.

فباستثناء البحرين وعمان، كانت الضغوط الشعبية التي تعرّضت إليها الأنظمة الملكية في الخليج معتدلة نسبياً، نظراً إلى أن التحدّيات الاقتصادية والسياسية هناك أقل حدّة ويمكن التحكّم بها أكثر، ولاسيما بفضل الثروة النفطية.

اقترح البعض اعتماد الكويت نموذجاً. في الواقع، في منطقة الخليج حيث الأمن هو تقليدياً من اختصاص ديوان الحاكم، عمد مجلس الأمة الناشط في الكويت مراراً وتكراراً إلى التدقيق في السياسات الأمنية للحكومة وتحدّيها وصولاً إلى طرح علامات استفهام حول عمليات شراء الأسلحة. وفي مؤشّر عن دور مجلس الأمة الكويتي، أُرغِم وزير الداخلية الشيخ جابر الخالد الصباح على الاستقالة في فبراير/شباط الماضي بعد الغضب الشديد الذي تملّك النواب عقب وفاة سجين محتجز لدى الشرطة في تهم غير سياسية. بيد أن سلطة مجلس الأمة تبقى محدودة. ووزير الداخلية الجديد الشيخ أحمد الحمود الصباح هو أيضاً عضو في العائلة المالكة، ولم تُستتبَع الاستقالة بالإعلان عن إجراء إصلاحات أمنية أعمق.

تسلّط الحالتان الكويتية والعمانية الضوء على أن الإصلاح الأمني ليس في نهاية المطاف مجرّد تحسينات تنظيمية أو عقائدية أو تدريبية، بل يتأثّر إلى حد كبير بالبيئة التي تحتضنه. إن الميل إلى تحميل تبعة الانتهاكات للمجنّدين الخارجين عن السيطرة والاكتفاء بمعالجة الأمر من خلال التدريب أو تغيير الأشخاص هو تهرّب من التحدّي الحقيقي. في الواقع، لايساهم التركيز الحصري على تحقيق الاحتراف المهني في أجزاء من القطاع الأمني (أو التظاهر بتحقيقه كما هو الحال في معظم الأحيان) في تحسين سلوك هذا القطاع في الإجمال أو تخفيف قبضته على السياسة.

إميل الحكيّم باحث زميل بارز حول الأمن الإقليمي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في المنامة.

د. الخثلان: الثورات تسببت في تغيير سلم الأولويات على الأجندة الدولية

لرياض – صالح آل حيدر

اوضح رئيس قسم العلوم السياسية السابق بجامعة الملك سعود والمستشار غير المتفرغ بوزارة الاعلام الأستاذ الدكتور صالح بن محمد الخثلان أن الأحداث السياسية بالدول العربية في غاية التعقيد والسبب الرئيسي لهذه الانتفاضات هو الجمود السياسي في مجتمعات مرت بتحولات اجتماعية واقتصادية وتعليمية كبيرة كان لا بد ان يكون لها اثرها لتغيير طريقة الحياة هذا هو السبب الذي حرك الجماهير , مشيرا الى انه لا وجود للمؤامرة في مثل هذه الاحداث خصوصا بعد انكشاف عملية صناعة القرار على المستوى العالمي , ومن المستحيل التحكم في ملايين البشر وجعلهم ينتفضون في الساحات لشهور مطالبين بنهاية الجمود السياسي وسط عالم يمر بتغييرات تعزز الحريات والمشاركة.

المجتمع الدولي مطالب بالبحث عن صيغ تجمع بين الاستقرار والتغيير إلى الأفضل
واضاف الخثلان في حديث ل ” الرياض ” ان الانتفاضات الشعبية التي تشهدها عدد من الدول العربية تمثل تحديا يواجه المنطقة والدول الكبرى المعنية بها من حيث حالة الاضطراب التي قد تهدد امن واستقرار المنطقة او من حيث اثرها غير الواضح حتى الان على القضايا الاساسية في المنطقه كقضية الصراع العربي الفلسطيني او استقرار الاوضاع في العراق ولبنان او مواجهة مساعي النفوذ التي تمارسها بعض دول الجوار اضافة الى خطر المشروع النووي الايراني .وتسبب هذه الثورات في تغيير سلم الاولويات على الاجندة الدولية تجاه المنطقة مؤكدا ان المجتمع الدولي عليه ان يبحث عن صيغة تجمع بين الاستقرار والتغيير مشيرا الى اطمئنانه وتفاؤله بالمستقبل رغم ان النتيجة النهائية لهذه الثورات تتوقف على سلوك الاطراف المشاركة في الاحداث الراهنة خاصة المعارضة, وتجارب الانتقال الديمقراطي تشير الى ان هذا الانتقال ليس مضمونا فقد تحدث انتكاسة او تعثر يتوقف على سلوك القوى المشاركة في عملية التغيير فالتشدد في المطالب لابد ان يتسبب في صدامات واستمرار لحالة الاضطراب. . وفيما يلي نص الحوار:

* هناك من يقول ان ما يحدث في الدول العربية هي مسببات أيد خفية ونتائج فعلية لمخططات محكمة.. ماهي قراءاتك بخصوص هذا الجانب؟

- هذا القول مرده الفكر التآمري الذي للأسف لا يزال يهيمن على العقل السياسي العربي رغم التحولات الكبرى التي شهدتها العلاقات الدولية وانكشاف عملية صناعة القرار على المستوى العالمي. فمهما بلغت درجة التخطيط والتحكم –إذاجازت التسمية- فلا يمكن التحكم في ملايين من البشر وجعلهم ينتفضون في الساحات لعدة شهور مطالبين بنهاية للجمود السياسي. هذه الرؤية للأسف تستهين المواطن العربي وتجعله دمية يحركها الآخرون. ما حدث بكل بساطة كان لابد أن يحدث بعد عقود من التسلط والقمع السياسي والفساد والجمود. لقد كان الوطن العربي محل تساؤل دائما بسبب ركود أوضاعه حيث أصبح يوصف بالاستثناء وسط عالم يمر بتغيرات تعزز الحريات والمشاركة والحكم الرشيد.

وعودة على فكرة التآمر أقول ان هذا النوع من التفكير له آثار خطيرة فهو يقود إلى نتيجة واحدة وهي الاستسلام فما دام أن هناك من يخطط ويتآمر علينا في غرف مظلمة فهذا يعني أن لا حول لنا ولا قوة واننا لا نستطيع أن نفعل شيئا. وللأسف أن هناك من لا يزال يروج لهذا الفكر الذي يسيء للعرب والمسلمين ويصورهم مجرد أحجار على رقعة شطرنج وينزع عنهم رشدهم واستقلالهم في الرأي.

* لكن ألا تتفق معي حول التحرك الدولي والجهود الغربية الكبيرة للتأثير في الأحداث وتوجيهها كما أن هناك أخبارا متواترة عن دعم غربي لبعض المنظمات في الدول العربية التي شهدت هذه الانتفاضات ؟

- نعم هناك جهود غربية كبيرة منذ اللحظة الأولى للانتفاضات للتأثير عليها إدراكاً منهم لأثرها على مصالحهم سواء المباشرة أو غير المباشرة، وهذا أمر طبيعي و متوقع؛ فالمنطقة مهمة للعالم وهذه طبيعة الأحداث الدولية خاصة في المناطق الاستراتيجية حيث لا يمكن تجاهلها بل تحرص الدول الكبرى على التأثير عليها. أما بخصوص دعم مؤسسات المجتمع المدني وما يقال عن دورات تدريبية فهذا صحيح وهو أمر غير خفي والحكومات العربية تعلم ذلك، كما أن المؤسسات الغربية تعلن عن هذه الدورات صراحة وهي ليست خاصة بالدول العربية بل لكافة الدول النامية وهذه المؤسسات تقوم بذلك في إطار نشر الديمقراطية كمنطلق مبدئي. لكن أن تدرب بضعة شباب على التواصل الاجتماعي وتوظيف الشبكات للتنظيم والتعبئة أمر، وأن تخرج ملايين الناس من كافة شرائح المجتمع لتطالب بالتغيير وإنهاء حالة الجمود والفساد أمر آخر يجب أن نبحث عن مسبباته في الداخل وليس الخارج.

* هل التدخل العربي في مثل هذه الظروف مطلوب بحثا عن الهدوء والاستقرار السياسي في ظل التحركات الإيرانية ؟ وعدم الاستقرار العربي الحاصل؟

- المطلوب ليس التدخل ولكن المساهمة في مساعدة الدول التي شهدت انتفاضات على استعادة الاستقرار فهذا مطلب مهم بل وحتمي. نعم علينا الحذر من التحركات الإيرانية وغيرها، لكن يجب أن لا نجعل هذه التحركات والقلق تجاهها الدافع الرئيس لتحديد مواقفنا من الانتفاضات فهذا سيدفعنا لاتخاذ مواقف غير ايجابية. على الدول العربية مجتمعة أن تدعم مسيرة التغيير الايجابي وتساعد كافة الأطراف في إدارة هذه التحولات من أجل الوصول إلى صيغ مناسبة تحقق التغير السياسي السلمي الذي يجمع بين مطلبي الديمقراطية والاستقرار. فتعثر الأحداث الراهنة كما نرى في ليبيا أمر خطير سينتج عنه حالة اضطراب قد لا تقتصر على الدول التي شهدت الانتفاضات فقط لذلك لا بد من التحرك الجاد والفعال.

* لكن إيران ليس غائبة وتحاول التأثير والتدخل؟

- نعم إيران حاضرة حتى قبل هذه الانتفاضات وتتدخل بشكل سافر في الشؤون العربية. لكن إيران تدرك أن ما يعيشه الوطن العربي اليوم سيضع نهاية لتدخلاتها حيث أصبحت إيران اليوم للأسف وبسبب سياسات نجاد المتشددة رمزاً للتطرف الأيديولوجي الذي يسعى العرب لتجاوزه بعد أن عانوا منه طويلاً وأدركوا آثاره الكارثية.

* كيف تقيم الواقع الراهن لأحداث اليمن؟

- مايحدث في اليمن أمر يثير الاستغراب فرغم خروج الرئيس لتلقي العلاج بسبب اصابته نتيجة محاولة الاغتيال، ورغم الملايين التي تملأ الشوارع لعدة شهور، إلا أن السلطة استطاعت أن تحافظ على مواقعها. الرئيس خارج البلاد ورغم ذلك لم تتغير مواقع الأطراف في المواجهة الراهنة، ولاشك أن في هذا دلالة كبيرة على موازين القوة؛ لذلك على المعارضة سواء الأحزاب التقليدية أو التنظيمات التي تدير الشارع أن لا تتجاهل هذه الحقيقة وتراعي ذلك في تحركها ومطالبها.

* ماهي رؤيتكم المستقبلية لحال هذه الدول في ظل الأحداث الراهنة؟

- أنا في الحقيقة مطمئن ومتفائل بالمستقبل، لكن النتيجة النهائية لهذه الانتفاضات تتوقف على سلوك الأطراف المشاركة في الأحداث الراهنة خاصة المعارضة سواء التقليدية أو الجديدة. فتجارب الانتقال الديمقراطي تشير إلى أن هذا الانتقال ليس مضمونا فقد تحدث انتكاسة أو تعثر وهذا يتوقف على سلوك القوى المشاركة في عملية التغيير وتحديداً من المعارضة, فالتشدد في المطالب لا بد أن يتسبب في صدامات واستمرار حالة الاضطراب؛ فهناك خاسرون سيدافعون عن مصالحهم لذلك المطلوب هو الوصول إلى صيغ توافقية، وإدراك أن تحقيق الهدف المنشود في بناء أنظمة حكم حديثة يمر بمسيرة طويلة تحتاج لسنوات وليس مجرد أشهر.

لرياض – صالح آل حيدراوضح رئيس قسم العلوم السياسية السابق بجامعة الملك سعود والمستشار غير المتفرغ بوزارة الاعلام الأستاذ الدكتور صالح بن محمد الخثلان أن الأحداث السياسية بالدول العربية في غاية التعقيد والسبب الرئيسي لهذه الانتفاضات هو الجمود السياسي في مجتمعات مرت بتحولات اجتماعية واقتصادية وتعليمية كبيرة كان لا بد ان يكون لها اثرها لتغيير طريقة الحياة هذا هو السبب الذي حرك الجماهير , مشيرا الى انه لا وجود للمؤامرة في مثل هذه الاحداث خصوصا بعد انكشاف عملية صناعة القرار على المستوى العالمي , ومن المستحيل التحكم في ملايين البشر وجعلهم ينتفضون في الساحات لشهور مطالبين بنهاية الجمود السياسي وسط عالم يمر بتغييرات تعزز الحريات والمشاركة.المجتمع الدولي مطالب بالبحث عن صيغ تجمع بين الاستقرار والتغيير إلى الأفضلواضاف الخثلان في حديث ل ” الرياض ” ان الانتفاضات الشعبية التي تشهدها عدد من الدول العربية تمثل تحديا يواجه المنطقة والدول الكبرى المعنية بها من حيث حالة الاضطراب التي قد تهدد امن واستقرار المنطقة او من حيث اثرها غير الواضح حتى الان على القضايا الاساسية في المنطقه كقضية الصراع العربي الفلسطيني او استقرار الاوضاع في العراق ولبنان او مواجهة مساعي النفوذ التي تمارسها بعض دول الجوار اضافة الى خطر المشروع النووي الايراني .وتسبب هذه الثورات في تغيير سلم الاولويات على الاجندة الدولية تجاه المنطقة مؤكدا ان المجتمع الدولي عليه ان يبحث عن صيغة تجمع بين الاستقرار والتغيير مشيرا الى اطمئنانه وتفاؤله بالمستقبل رغم ان النتيجة النهائية لهذه الثورات تتوقف على سلوك الاطراف المشاركة في الاحداث الراهنة خاصة المعارضة, وتجارب الانتقال الديمقراطي تشير الى ان هذا الانتقال ليس مضمونا فقد تحدث انتكاسة او تعثر يتوقف على سلوك القوى المشاركة في عملية التغيير فالتشدد في المطالب لابد ان يتسبب في صدامات واستمرار لحالة الاضطراب. . وفيما يلي نص الحوار:* هناك من يقول ان ما يحدث في الدول العربية هي مسببات أيد خفية ونتائج فعلية لمخططات محكمة.. ماهي قراءاتك بخصوص هذا الجانب؟- هذا القول مرده الفكر التآمري الذي للأسف لا يزال يهيمن على العقل السياسي العربي رغم التحولات الكبرى التي شهدتها العلاقات الدولية وانكشاف عملية صناعة القرار على المستوى العالمي. فمهما بلغت درجة التخطيط والتحكم –إذاجازت التسمية- فلا يمكن التحكم في ملايين من البشر وجعلهم ينتفضون في الساحات لعدة شهور مطالبين بنهاية للجمود السياسي. هذه الرؤية للأسف تستهين المواطن العربي وتجعله دمية يحركها الآخرون. ما حدث بكل بساطة كان لابد أن يحدث بعد عقود من التسلط والقمع السياسي والفساد والجمود. لقد كان الوطن العربي محل تساؤل دائما بسبب ركود أوضاعه حيث أصبح يوصف بالاستثناء وسط عالم يمر بتغيرات تعزز الحريات والمشاركة والحكم الرشيد.وعودة على فكرة التآمر أقول ان هذا النوع من التفكير له آثار خطيرة فهو يقود إلى نتيجة واحدة وهي الاستسلام فما دام أن هناك من يخطط ويتآمر علينا في غرف مظلمة فهذا يعني أن لا حول لنا ولا قوة واننا لا نستطيع أن نفعل شيئا. وللأسف أن هناك من لا يزال يروج لهذا الفكر الذي يسيء للعرب والمسلمين ويصورهم مجرد أحجار على رقعة شطرنج وينزع عنهم رشدهم واستقلالهم في الرأي.* لكن ألا تتفق معي حول التحرك الدولي والجهود الغربية الكبيرة للتأثير في الأحداث وتوجيهها كما أن هناك أخبارا متواترة عن دعم غربي لبعض المنظمات في الدول العربية التي شهدت هذه الانتفاضات ؟- نعم هناك جهود غربية كبيرة منذ اللحظة الأولى للانتفاضات للتأثير عليها إدراكاً منهم لأثرها على مصالحهم سواء المباشرة أو غير المباشرة، وهذا أمر طبيعي و متوقع؛ فالمنطقة مهمة للعالم وهذه طبيعة الأحداث الدولية خاصة في المناطق الاستراتيجية حيث لا يمكن تجاهلها بل تحرص الدول الكبرى على التأثير عليها. أما بخصوص دعم مؤسسات المجتمع المدني وما يقال عن دورات تدريبية فهذا صحيح وهو أمر غير خفي والحكومات العربية تعلم ذلك، كما أن المؤسسات الغربية تعلن عن هذه الدورات صراحة وهي ليست خاصة بالدول العربية بل لكافة الدول النامية وهذه المؤسسات تقوم بذلك في إطار نشر الديمقراطية كمنطلق مبدئي. لكن أن تدرب بضعة شباب على التواصل الاجتماعي وتوظيف الشبكات للتنظيم والتعبئة أمر، وأن تخرج ملايين الناس من كافة شرائح المجتمع لتطالب بالتغيير وإنهاء حالة الجمود والفساد أمر آخر يجب أن نبحث عن مسبباته في الداخل وليس الخارج.* هل التدخل العربي في مثل هذه الظروف مطلوب بحثا عن الهدوء والاستقرار السياسي في ظل التحركات الإيرانية ؟ وعدم الاستقرار العربي الحاصل؟- المطلوب ليس التدخل ولكن المساهمة في مساعدة الدول التي شهدت انتفاضات على استعادة الاستقرار فهذا مطلب مهم بل وحتمي. نعم علينا الحذر من التحركات الإيرانية وغيرها، لكن يجب أن لا نجعل هذه التحركات والقلق تجاهها الدافع الرئيس لتحديد مواقفنا من الانتفاضات فهذا سيدفعنا لاتخاذ مواقف غير ايجابية. على الدول العربية مجتمعة أن تدعم مسيرة التغيير الايجابي وتساعد كافة الأطراف في إدارة هذه التحولات من أجل الوصول إلى صيغ مناسبة تحقق التغير السياسي السلمي الذي يجمع بين مطلبي الديمقراطية والاستقرار. فتعثر الأحداث الراهنة كما نرى في ليبيا أمر خطير سينتج عنه حالة اضطراب قد لا تقتصر على الدول التي شهدت الانتفاضات فقط لذلك لا بد من التحرك الجاد والفعال.* لكن إيران ليس غائبة وتحاول التأثير والتدخل؟- نعم إيران حاضرة حتى قبل هذه الانتفاضات وتتدخل بشكل سافر في الشؤون العربية. لكن إيران تدرك أن ما يعيشه الوطن العربي اليوم سيضع نهاية لتدخلاتها حيث أصبحت إيران اليوم للأسف وبسبب سياسات نجاد المتشددة رمزاً للتطرف الأيديولوجي الذي يسعى العرب لتجاوزه بعد أن عانوا منه طويلاً وأدركوا آثاره الكارثية.* كيف تقيم الواقع الراهن لأحداث اليمن؟- مايحدث في اليمن أمر يثير الاستغراب فرغم خروج الرئيس لتلقي العلاج بسبب اصابته نتيجة محاولة الاغتيال، ورغم الملايين التي تملأ الشوارع لعدة شهور، إلا أن السلطة استطاعت أن تحافظ على مواقعها. الرئيس خارج البلاد ورغم ذلك لم تتغير مواقع الأطراف في المواجهة الراهنة، ولاشك أن في هذا دلالة كبيرة على موازين القوة؛ لذلك على المعارضة سواء الأحزاب التقليدية أو التنظيمات التي تدير الشارع أن لا تتجاهل هذه الحقيقة وتراعي ذلك في تحركها ومطالبها.* ماهي رؤيتكم المستقبلية لحال هذه الدول في ظل الأحداث الراهنة؟- أنا في الحقيقة مطمئن ومتفائل بالمستقبل، لكن النتيجة النهائية لهذه الانتفاضات تتوقف على سلوك الأطراف المشاركة في الأحداث الراهنة خاصة المعارضة سواء التقليدية أو الجديدة. فتجارب الانتقال الديمقراطي تشير إلى أن هذا الانتقال ليس مضمونا فقد تحدث انتكاسة أو تعثر وهذا يتوقف على سلوك القوى المشاركة في عملية التغيير وتحديداً من المعارضة, فالتشدد في المطالب لا بد أن يتسبب في صدامات واستمرار حالة الاضطراب؛ فهناك خاسرون سيدافعون عن مصالحهم لذلك المطلوب هو الوصول إلى صيغ توافقية، وإدراك أن تحقيق الهدف المنشود في بناء أنظمة حكم حديثة يمر بمسيرة طويلة تحتاج لسنوات وليس مجرد أشهر.

http://www.alriyadh.com/2011/07/11/article649533.html

الموقف السعودي من الثورات الشعبية

الموقف السعودي من الثورات الشعبية
محاولة للفهم
صالح بن محمد الخثلان

بالـتأكيد هناك من يستهجن استضافة المملكة الرئيس اليمني للعلاج من اصاباته التي لحقت به أثناء محاولة الاغتيال، وسيرى هؤلاء أن المملكة تقف مع الرؤساء المتشبثين بالسلطة ضد شعوبهم المتطلعة للتغيير والحرية. هذا الموقف ظهر بعد استقبال المملكة الرئيس التونسي المخلوع ويظهر من جديد بعد وصول علي عبدالله صالح للرياض حيث يحاول البعض الترويج له كدليل على أن المملكة تقود ثورة مضادة ضد ثورات الربيع العربي.
ولكن حين نتجاوز القراءة السريعة العاطفية والمتأثرة بالأحداث في الشارع سنجد أن القرار السعودي لاستضافة الرئيسين رغم الرفض الشعبي لهما في بلديهما كان سبباً في احتواء ازمة حادة كادت تعصف بمسيرات الاحتجاج السلمي وتحول الربيع العربي إلى صيف ساخن كما نشهد اليوم في ليبيا وسوريا حيث يستمر سقوط الأبرياء في مواجهة شرسة هدفها الاول والاخير السلطة تحت أي شعار كان.
المملكة أوجدت منفذاً لتنفيس هذه الازمة قبل أن تنفجر وكما ظهر في الايام الاخيرة في اليمن؛ فالسلطة شأنها عظيم ولا يمكن التنازل عنها بسهولة بعد عقود من الحكم والمنافع الكبيرة المترتبة سواء المادية أو المعنوية للرئيس ولأعداد كبيرة من المنتفعين من حوله بدءاً بأفراد عائلته مروراً بأقاربهم واصهارهم وانتهاءً بشركائهم.
هؤلاء سيستخدمون كل ما بين ايديهم من قوة للاستمرار في مواقعهم حتى لو تسبب ذلك في قتل وتدمير وحرب أهلية كما نشاهد اليوم في ليبيا، ويبدو أن مسار الأحداث في سوريا يتجه نحو هذه النهاية المأساوية في حال لم يتدخل الجيش. في تونس ومصر أدركت قيادات الجيش هذا الاحتمال السيء بالانزلاق نحو العنف والعنف المضاد لذلك تدخلت ووضعت نهاية لأزمة الصراع على السلطة. خروج زين العابدين بن علي ساعد الجيش في حسم الأمر والسيطرة على بقية الأجهزة الامنية و انهاء العنف في بداياته.
في اليمن وبسبب تردد الجيش وانقسامه فقد تحولت المواجهة السلمية إلى صدام مسلح انتهت إلى محاولة اغتيال للرئيس وكبار المسئولين في الدولة. لنتصور للحظة أن حالة الرئيس الصحية سمحت له بالبقاء في اليمن فكيف سيكون الرد؟ لاشك أنه سيكون قاسياً وسيتلاشى ما تبقى من حكمة يمانية- إن كان بقي شيء منها- وسيكون الانتقام سيد الموقف مما يعني الدخول في حرب شاملة لا تبقي ولا تذر.
لذلك جاء القرار السعودي باستضافة الرئيس ليقطع الطريق أمام هذا التحول الكارثي ولحماية اليمن من الدخول في مستنقع الحرب الاهلية. المؤكد أن وجود الرئيس في الرياض للعلاج يمثل الخطوة الاولى لأنهاء أزمة الحكم في اليمن والرياض بهذا القرار فتحت الطريق أمام ترتيبات مستقبل اليمن بعد بشكل سلمي؛ حيث تراجعت فرص اللجوء إلى العنف بخروج الرئيس وأصبحت الفرصة مهيأة أمام كافة الأطراف سواء من تبقى في السلطة أو في اللقاء المشترك أو من شباب الثورة للجلوس إلى طاولة الحوار لرسم مستقبل آمن ومزدهر لليمن.
ولكن وإضافة إلى الرغبة في إيجاد مخرج لأزمة الصراع على السلطة فهناك تفسير آخر للقرار السعودي باستضافة علي عبدالله صالح ومن قبله زين العابدين بن علي ويتمثل في رغبة الرياض في لعب دور في توجيه هذه التحولات الكبرى التي يشهدها الوطن العربي. فمنذ انطلاقة الشرارة الاولى للانتفاضات الشعبية تتسابق عواصم دولية واقليمية على التأثير عليها ومحاولة توجيها ادراكاً منها لأهمية هذه الثورات على مستقبل المنطقة بشكل عام وكذلك على مصالحها. فواشنطن وموسكو ولندن وباريس وكذلك طهران وانقرة وحتى اسرائيل جميعها تحركت ولا تزال لكي يكون لها نصيب من
نهايات هذه الثورات، إما بتقليل الضرر أو تضخيم المكاسب.
وبعض هذه العواصم كشفت دون أي مجاملة دبلوماسية عن مساعيها في التدخل في الشأن العربي متخذة شعار التعاطف مع تطلعات الشعوب ذريعة لها للتأثير في الأحداث من خلال التصريح والزيارات وعقد المؤتمرات وتنظيم اللقاءات مع الأطراف المختلفة للانتفاضات الشعبية. ولسنا ببعيدين عن المؤتمر الكبير الذي نظمته تركيا للمعارضة السورية وأُعلنت نتائجه على الملاء.
ايران من جهتها لا تتوقف عن التصريحات بدعم تطلعات الشعوب العربية للحرية والحكم الديموقراطي. وحتى نتينياهو لم يترك الفرصة دون التعبير عن موقف تجاه هذه الثورات، في حين نجد أن المسئولين في الولايات المتحدة أصبح أحد همومهم الرئيسة كيفية توجيه هذه الثورات الشعبية بما يتفق مع مصالحهم. جميع هذه الدول بلاشك تتحرك نحو الأحداث العربية وفق مصالحها واجنداتها حتى لو زعمت غير ذلك.
اذاَ في ظل هذا التنافس الدولي والاقليمي المحموم على الثورات العربية ومحاولة احتوائها وفق اجندات مختلفة كان متوقعاً ومطلوباً من المملكة انطلاقا من مسئولياتها ومكانتها في الوطن العربي أن تتحرك وتبادر للمساهمة في عملية التأثير هذه التي يجب أن لا تقتصر على اطراف أجنبية حرصاً على مصالحها وعلى مصالح الامة العربية.
لا أظن أن هناك من يختلف مع أحقية المملكة في الدخول في هذه المنافسة القائمة أصلاً سواء شاركت فيها المملكة أم لم تشارك، بل قد يكون واجباً على المملكة أن لا تغيب عن هذه المنافسة الغربية الروسية التركية والإيرانية على تشكيل مستقبل الامة العربية.
الخلاف قد يكون على طبيعة المشاركة السعودية، ولعل السبب في ذلك يعود إلى عدم وضوح الموقف السعودي من هذه الثورات بشكل دقيق وشفاف؛ وهذا هو سبب الشك والقلق ومصدر الحديث عن ثورة مضادة تقودها المملكة ضد هذه الثورات الشعبية.
المشكلة التي يعاني منها الموقف السعودي هي عدم الوضوح ولعل هذا راجع للطبيعة المحافظة للسياسة الخارجية السعودية من جهة، وإلى عدم تشكُل موقف نهائي من هذه الثورات الشعبية لدى صانع القرار من جهة أخرى. هذا التردد عن إعلان موقف صريح يمكن تفسيره بالطبيعة المحافظة للثقافة السياسة السعودية التي تشترك فيها النخب مع العامة فهي لا ترغب في التغيير وتخشاه وتميل دائماً للاحتمال الاسواء في قراءة الاحداث من حولها. صاحب القرار قد يرى أن تسارع الأحداث قد يتطلب غموض في الموقف، وقد يكون هذا خياراً سليماً بشرط أن يكون الغموض مقصود وليس نتيجة تردد
في تحديد موقف.
المحافظة السياسية خدمت المملكة في السابق والشواهد كثيرة من خلال قدرة المملكة على احتواء ضغوط وتحديات كبيرة ليس آخرها هجمات سبتمبر واحتلال العراق وتبعاته الخطيرة على الأمن الوطني السعودي. ولكن لابد من الاشارة إلى أن هذه النزعة المحافظة التي تتسم بها السياسة السعودية بشكل عام ليست جامدة بل تتفاعل مع التغيرات، وإن كان بوتيرة بطيئة ولعل في قيادة المملكة لقوات درع الجزيرة في البحرين مؤشراً جديداً على هذ القدرة على تجاوز المحافظة حين يكون هناك خطر حقيقي للقيم الاساسية للمملكة سواء كانت تتعلق بالاستقرار أو الوحدة أو حتى حماية
المجال الحيوي.
خلاصة الأمر أن تدخل المملكة ومحاولتها التأثير على الثورات الشعبية يعد أمراً مبرراً في ظل هذا التنافس الاقليمي والدولي على “اختطاف” هذه الثورات وذلك حماية لمصالحها كدولة اقليمية كبرى ودفاعاً عن مصالح الشعوب العربية.
ما يحرك السياسة السعودية تجاه الأحداث الراهنة هو الحرص على الاستقرار والامن في الدول العربية التي تعيش حالة اضطراب، وهذا موقف يتسق مع تاريخ السياسة الخارجية السعودية، إلا أن بعض مظاهر هذا التحرك تشير أحيانا إلى أن هذا الحرص تحول إلى قلق مبالغ فيه؛ وهو ما يجعل الآخرين يتوجسون تجاه تحركات المملكة ويتهمون الرياض بقيادة ثورة مضادة.
المسئولية عن سوء الفهم هذا يشترك فيها المسئولون عن السياسة الخارجية بسبب التردد في إعلان مواقف واضحة من الثورات الشعبية، ووسائل الاعلام المحسوبة على المملكة بسبب تغطياتها لهذه الثورات التي تفتقد للثبات، فتارة تؤيد وتارة تظهر تغطيتها بشكل مناوئ لهذه الثورات.
أما القول بأن ما يحرك المملكة تجاه هذه الثورات هو خشيتها من قيام انظمة ديموقراطية مجاورة لها- وهو رأي نجده حتى داخل المملكة – فأرى أن فيه تبسيط مخل لفهم هذه التحولات الراهنة. فما يجري هو شكل من اشكال التغير السياسي، ولكنه لا يعني ولا يضمن تحولاً نحو الديموقراطية التي قد لا تكون شروطها متوفرة حتى اللحظة.
ما يحدث الان يمكن وصفه– إذا جازت التسمية- بالانفلات السياسي حيث يصبح كل شيء ممكن؛ ولاشك أن هذه ردة فعل طبيعة على عقود من التسلط والقمع واحتكار السلطة، ولعل هذا ما يفسر الاعلان كل يوم عن تأسيس احزاب وتنظيمات وظهور صحف ومجلات وكذلك تواصل التظاهرات. هذه حالة طبيعية ويمكن ان تثمر عن تحول ديموقراطي، لكنها لا تعني ضمانة تحقق هذا التحول أو ترسيخه في المستقبل وعدم انتكاسته.
وفي ظني أن المسئولين في المملكة يدركون المخاض الصعب للأنظمة الديموقراطية والانتكاسات التي قد تحدث في مسيرة الانتقال كما تدل شواهد كثيرة، لذلك فهم ليسوا في حاجة للقلق بشأن احتمال إحاطة المملكة بأنظمة ديموقراطية حديثة تشكل ضغطاً على الوضع السياسي الداخلي.
لاشك أن كافة الاحتمالات ممكنة لكن المطلوب هو التحرك وفق قراءة هادئة بعيدة عن العاطفة، وأن لا يكون تحركنا اسير الأحداث المتسارعة. علينا أن نصل إلى قناعة بإمكانية الجمع بين معادلة الاستقرار والتغيير السياسي، وأن أياً منهما لا يجب أن يكون على حساب الآخر. فيمكن المحافظة على الاستقرار من جهة، وإحداث تغير سياسي يؤسس لأنظمة حكم حديثة قائمة على المشاركة والعدالة واحترام الحقوق والحريات من جهة أخرى.
نجاح التحرك السعودي يتطلب أيضاً ضرورة التناغم بين السياسة الخارجية وذراعها الاعلامي، والاهم من ذلك الانفتاح على مختلف التيارات المتنافسة على تشكيل الانظمة السياسية في الدول التي شهدت احتجاجات، ومنها أهمها تنظيم الاخوان المسلمون. فلا مبرر للخوف والتوجس من هذا التنظيم واحتمالات وصوله الى السلطة فهذا ممكن وهو حق لهم. الخيار الاسلم هو الانفتاح على التنظيم وتجاوز ما رسخ من انطباعات سلبية نتيجة تجارب سابقة، فنحن اليوم أمام مرحلة جديدة تتطلب درجة عالية من المرونة السياسية.
أخيراً نجاح المملكة في التأثير على مجريات الأحداث الكبرى في المنطقة لا يمكن أن يتأكد دون دعم تحركها الخارجي بمشروع إصلاح داخلي شامل يكون ركيزة لسياسة خارجية نشطة مدعومة شعبياً وهذا متطلب في غاية الاهمية. فقبل أن نقلق بشأن فهم وموقف الآخرين لتحركاتنا، علينا أن نحرص على كسب دعم وتأييد الداخل لهذا التحرك وهذا له شروطه التي أظن أنها لم تتوفر بعد.
إن من شروط الخطاب السياسي الناجح التماسك والتناغم بين كافة أبعاده؛ فلا يمكن تبني خطاباً للخارج وآخر للداخل، خاصة في عصر الثورة التقنية التي ازاحت الحواجز بين الدخل والخارج وجعلت الشأن المحلي مكشوفاً وعرضة لكافة التأثيرات الخارجية كما يشهد بذلك وضع الدول العربية التي تعيش حالة ثورية. التحدي الصعب الذي يواجه الوطن العربي كافة هو الوصول إلى معادلة تجمع بين الاستقرار الذي يطمئن النخب الحاكمة وتطلعات الجماهير في الحكم الرشيد.

أ.د صالح بن محمد الخثلان
استاذ العلوم السياسية
جامعة الملك سعود

ايلاف

http://www.elaph.com/Web/opinion/2011/6/661920.html?entry=opinionaraa

البحرين: مملكة الصمت

يُطبق على البحرين الآن صمت رهيب وخوف مشلّ للحركة. فمنذ منتصف مارس/آذار، أي المرّة الأخيرة التي نزل فيها عشرات آلاف المحتجّين إلى الشوارع للمطالبة بالإصلاح السياسي، وما زالت القوى الأمنية والعسكرية البحرينية تشنّ حملة عنيفة ومنظّمة لسحق قوى الديمقراطية في البلاد. القمع شديد ومروِّع. فقد قُتِل عشرات الناشطين، ويقبع مئات آخرون في السجون ويتعرّضون للتعذيب. كما أنه من المتوقع توقف صدور جريدة الوسط، أهم صحيفة مستقلة في البحرين، يوم 10 أيار/مايو.

أمام تحرّكات النظام الاستفزازية، تسقط المزاعم بأن جل ما تسعى إليه الملَكية هو إعادة إرساء القانون والنظام؛ فعلى العكس، من الواضح أن الحكومة تستخدم القانون العرفي للثأر من كل من تحدّى سلطة عائلة آل خليفة الحاكمة. فقد أقيمت نقاط تفتيش لمضايقة المواطنين الشيعة الذين يشكّلون غالبية سكّان البحرين والثقل الأساسي للمعارضة السياسية. وضربت القوى الأمنية طوقاً حول المستشفيات وأوقفت عدداً كبيراً من العاملين في القطاع الطبّي في إطار ما يبدو على أنه ترهيب حقود وغير إنساني. وطوال أسابيع، جاب عناصر الشرطة ومؤيّدو النظام في شوارع القرى الشيعية فدمّروا سيارات وممتلكات أخرى. من دعموا التظاهرات يخشون الآن الخروج من منازلهم خوفاً من أن يغمز أحد من قناتهم علناً أو أسوأ من ذلك، يُعتقَلوا ويختفوا.

يتّخذ النظام أيضاً خطوات دراماتيكية لإسكات منتقديه. فقد استهدفت السلطات الصحف والصحفيين والمدوّنين لخنق الانتقادات العامة وفرض الرقابة على التقارير عن حجم القمع وإخافة من قد تحدّثه نفسه بالتكلّم جهاراً وحمله على التزام الصمت. في الأسابيع الأخيرة، لم تعد المدوّنات البحرينية والتعليقات على صفحات “تويتر” تنبض بالحياة المعتادة، بل صمتت وهدأت نبرتها أمام همجية ما يحدث من حولها.

وهناك فعلاً ما يدعو إلى الخوف. فمن تجرّأوا على التكلّم علناً أو حاولوا الكتابة عمّا يجري من حولهم يدفعون ثمناً باهظاً.

حكاية الوسط: عبرة

في مطلع أبريل/نيسان، استهدف المسؤولون الحكوميون كبرى الصحف المستقلّة البحرينية، الوسط، واتّهموها بنشر أخبار كاذبة. إستقال رئيس تحرير الصحيفة منصور الجمري في محاولة لردع الانتقادات الموجهة الى الصحيفة. بعد استبدال الجمري بعبيدلي العبيدلي الموالي للحكومة، من المحتمل ان يواجه الجمري وشخصان من فريق تحرير الوسط محاكمة مسيّسة. وفي الخامس من أبريل/نيسان، أوقفت السلطات كريم فخراوي، أحد مؤسّسي الصحيفة وعضو جمعية الوفاق السياسية المعارضة؛ وفي 12 أبريل/نيسان توفّي الفخراوي في ظروف غامضة خلال حجزه لدى الشرطة. في 22 أبريل/نيسان، وسّعت الشرطة هجومها على صحيفة الوسط، فتعرّضت بالضرب لكاتب العمود الخاص حيدر محمد النعيمي واعتقلته، ولا يزال مصيره مجهولاً. في ظل تلك الضغوطات، وَرَدَ أن مجلس ادارة الصحيفة والمستثمرين قرروا إغلاقها يوم إبتداء من 10 أيار/مايو.

تلقّى الأشخاص الذين تربطهم صلة بالمجموعات السياسية المعارضة الضربة الأقوى، لكنهم ليسوا الوحيدين الذين يعانون من الوطأة الشديدة لحملة القمع التي يشنّها النظام ضد حرّية التعبير. فقد أوقِف مدوّنان بحرينيان بارزان هما محمود اليوسف ومحمد المسقطي في مطلع أبريل/نيسان لأنهما دوّنا مشاهداتهما حول ما يجري في البلاد. على الرغم من أنهما انتقدا العنف الذي يمارسه أمن الدولة، إلا أنهما لا ينتميان إلى المعارضة. وطوال أسابيع وجّها دعوات متكرّرة للهدوء وضبط النفس وشجّعا الحكومة والمتظاهرين على السواء على تفادي الاستفزاز والتصعيد. وقد وجّه اعتقالهما إشارة واضحة بأن النظام لا يقبل أي اعتراض عليه.

تعبئة وسائل الإعلام الرسمية

ليست حملة القمع التي يشنّها النظام ضد وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي شكلاً من أشكال العقاب وحسب، بل هي أيضاً انعكاس لمعركته الهادفة إلى فرض رقابته على الروايات حول ما يجري في البلاد. فإلى جانب إسكات الأصوات الانتقادية، عبّأت السلطات أيضاً وسائل الإعلام الرسمية لتثبيت سيطرتها وترويج رواية بديلة حول النزاع الداخلي. وقد تصدّر التلفزيون الرسمي البحريني هذه المحاولات عبر التطرّق بالتفصيل إلى القضيّة العامّة ضد صحيفة الوسط في الثاني من أبريل/نيسان في برنامج استعرض التهم الموجَّهة إلى الصحيفة حول نشرها أنباء كاذبة. وقد شنّت المحطة حملات مماثلة ضد ناشطين بارزين أيضاً بينهم نبيل رجب الناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان.

والدور الأهم الذي اضطلع به التلفزيون البحريني هو تصوير ما يجري في البلاد بأنه صدام مذهبي وليس صراعاً من أجل حقوق ديمقراطية. وقد استخدمت وسائل الإعلام الرسمية شبح التدخّل الإيراني والتهويل بصعود نفوذ الشيعة لترويع السنّة الأقل عدداً وحملهم على دعم الوضع السياسي القائم وحملة القمع الحالية.

بيد أن الإعلام الرسمي البحريني فضح عن غير قصد أساليب النظام الهمجية. في 28 أبريل/نيسان، كشفت السلطات أنه حُكِم على أربعة ناشطين بالإعدام وثلاثة آخرين بالسجن المؤبّد متّهمة إياهم بالضلوع في مقتل شرطيين بحرينيين. مثل الناشطون السبعة أمام محاكم عسكرية مغلقة. ورداً على الاتّهامات بأن النظام لم يمنحهم محاكمة عادلة، عرض المسؤولون البحرينيون شريط فيديو يظهر فيه الناشطون وهم يعترفون بارتكابهم الجريمة.

والأسوأ من الاعترافات التي انتُزِعت على الأرجح تحت تأثير الضغوط هو ظهور جثّة رجل ثامن في شريط الفيديو يدعى علي عيسى صقر. توفّي صقر في 9 أبريل/نيسان خلال احتجازه لدى الشرطة. بعد الإعلان عن وفاته، زعمت السلطات أنه تسبّب ب”الفوضى في مركز الاحتجاز”. سواء كان سجيناً مشاغباً أم لا، لقد أظهرت صور جثة صقر بأنّه تعرّض لتعذيب جسدي شديد. من شبه المؤكّد أنه تعرّض لضرب مبرح حتى لفظ أنفاسه. سواء كان وجود صقر في شريط الفيديو مقصوداً أم لا، كانت الرسالة عن المعاملة التي لقيها واضحة جداً. وهي الرسالة نفسها التي يبثّها النظام من خلال انتهاكاته واستغلاله لوسائل الإعلام.

لا يواجه النظام البحريني تحدّياً حقيقياً من وسائل الإعلام. فقد رُوِّع الإعلام المستقل في الداخل. أما الإعلام الإقليمي، ولا سيما قناتي العربية والجزيرة، فقد بقيتا على مسافة من الأحداث في البحرين. والسبب الأساسي هو أن قطر قدّمت دعماً واضحاً للقمع في البحرين. صحيح أن الحكومة سمحت لحفنة من الصحفيين الأجانب بدخول البلاد، لكن كثراً مُنِعوا من الدخول. ويورد صحفيون ممن على اتّصال بالبحرينيين بأن الناس يتردّدون أكثر فأكثر في الحديث علناً خوفاً من تعرّضهم للانتقام.

على الرغم من مزاعم الحكّام البحرينيين بأنهم يفضحون الطبيعة الحقيقية للانتفاضة التي يصفونها بأنها مؤامرة إيرانية تهدف إلى زعزعة استقرار المملكة، من الواضح أن كل ما يهمّهم هو حماية أنفسهم ومعاقبة خصومهم – وأنهم مستعدّون لاستخدام كل الوسائل الضرورية لتحقيق الأمرين معاً. في الوقت الراهن، لم يبقَ أمام البحرينيين سوى أن يفكّروا في مصيرهم بصمت. لكن لا ننخدع من الهدوء الحالي، فالنزاع بين ملَكية مصمّمة على الحكم السلطوي وأكثرية حريصة على أن يكون لها رأي في اختيار حكّامها لم ينتهِ بعد.

توبي سي جونز أستاذ مساعد لمادّة تاريخ الشرق الأوسط في جامعة روتغرز. مؤلّف “مملكة صحراوية: كيف رسم النفط والمياه معالم السعودية الحديثة” (هارفرد 2010)، ومحرّر في مجلة “ميدل إيست ريبورت”.
المصدر نشرة الاصلاح العربي

http://www.carnegieendowment.org/arb/?fa=show&lang=ar&article=43840&utm_source=Arab+Reform+Bulletin&utm_campaign=f958a02495-ARB+Weekly+%28Arabic%29&utm_medium=email

هل ‘معضلة الملوك’ للرؤساء فقط؟ راسل لوكاس*

بعدما أطاحت موجات الاحتجاجات التي تجتاح العالم العربي بالرئيسَين التونسي والمصري، يشير عدد من المحللين إلى أن الملَكيات في العالم العربي قد تكون في وضع متقدّم قليلاً سوف يتيح لها الصمود بصورة أفضل من الجمهوريات العربية. إنه تحوّل دراماتيكي من مفهوم صاموئيل هانتنغتون عن “معضلة الملوك” الذي غالباً ما يتم الاستشهاد به.
اعتبر هانتنغتون في كتابه الصادر عام 1968 بعنوان “النظام السياسي في المجتمعات المتغيّرة” أنه في المجتمعات التقليدية التي تشهد تحديثاً، تبيّن أن المركزية السياسية للملكية مفيدة للتنمية. بيد أن هذه المركزية كانت تجعل من الصعب تحقيق الدمج السياسي للمجموعات الجديدة التي ينتجها التحديث. لعل أفضل ما يختصر الاضطرابات الحالية في العالم العربي هو أننا أمام جيل من الشباب الذين يسخِّرون الهواتف الخلوية والفايسبوك لمطالبة الأوتوقراطيين المتقدّمين في السن بالوظائف وتطبيق المساءلة السياسية.
واجه الحكّام التقليديون بحسب هانتنغتون ثلاثة خيارات. إما يتخلون عن الحكم ويتحوّلون ملوكاً دستوريين. وإما يحاولون التخلي عن التحديث ويرسون حكماً مطلقاً. وإما يحاولون مأسسة المشاركة الشعبية ضمن منظومة من السيادة الملَكية. في المسارين الأخيرين، واجهت الملَكيات صعوبات مستمرّة في احتواء التعبئة الشعبية، فكانت النتيجة تأخير الإصلاحات أو الثورات وحسب.
قبل أحداث العام الجاري، كانت الملَكيات التقليدية تبدو أكثر رشاقة في تطبيق الدمقرطة من الأنظمة السياسية الجامدة للجمهوريات كما كان يبدو أن الرؤساء – وليس الملوك – هم من واجهوا “معضلة الملوك” وكيفية إمكانهم بالدمقرطة من دون فقدان السلطة. بيد أن كل دولة في العالم العربي – سواء كانت ملَكية أو جمهورية – شهدت احتجاجات عام 2011.
لم تكن الملَكيات العربية أفضل من الجمهوريات في الدمقرطة. لم يترشّح أي ملك أو أمير أو سلطان للانتخابات. لكن الملكيات كانت أفضل من الجمهوريات في التحرير. هناك اختلاف كبير في الانفتاح السياسي بين الملكيات من السعودية المنغلقة في شكل شبه كامل مروراً بالحياة الحزبية الناشطة في المغرب وصولاً إلى الاستجواب القاسي والمستمر للوزراء في مجلس الأمة الكويتي. لكن، بإستثناء المملكة العربية السعودية، الملكيات كمجموعة أكثر ميلاً من الجمهوريات إلى إتاحة مساحة أكبر للحقوق والحريات ونشاط المجتمع المدني وإلى تنظيم انتخابات أكثر حرّية.
والسبب هو أن الانتخابات في الأنظمة الملكية تقتصر على الهيئات التشريعية. السلطة التنفيذية منوطة بالملك الذي يتولّى بنفسه تعيين رئيس الوزراء بدلاً من أن يُعيّنه مجلس النواب. ويستطيع الملوك الذين يملكون القدرة على البقاء فوق المشاحنات السياسية اليومية، استبدال الحكومات غير الشعبية لتعزيز شرعيتهم.
كي نفهم كيف استطاعت الملَكيات العربية أن ترسي توازناً في المسار الثالث الشائك والدقيق في معضلة الملك وتُطبّق المشاركة الشعبية المحدودة ضمن النظام الملكي الحاكم، يجب أن ننظر أبعد من الملكية في ذاتها. صحيح أن الثروة النفطية تُفسّر نجاح بعض الملكيات في شراء المعارضة – مثل رزم الإعانات والتوظيف التي أعلنت عنها الكويت والسعودية مؤخراً – لكن ذلك ليس تفسيراً كافيا، فتوجد ملكيات مستقرة لا تملك تلك الثروة مثل الأردن والمغرب.
بل إن الحل الذي تستنبطته الأنظمة الملكية لمعضلة الملك ينبع في معظم الأحوال من المجتمع والثروة . ففي حين سعت الجمهوريات العربية في ستينات القرن العشرين إلى خلق “رجال ونساء عرب جدد” بالاستناد إلى مشاريع قومية شاملة، روّجت الملكيات العديد من الأشكال الاجتماعية، الجديدة والتقليدية على السواء. ولذلك تواجه معظم الجمهوريات اليوم مطالبات أقوى من أجل التغيير لأن النظام خلق وضعاً قوامه خياران لا ثالث لهما، إما بقاء النظام وإما الثورة. فتحوّلت المظالم المادية سريعاً الى متطلبات سياسية بحيث لم يكن هناك أي خيار غير ذلك لتلبيتهم.
بوجود تعدّدية أكبر في الأنظمة الملكية، تصبح كلفة تقسيم المعارضة أقل. ويمكن تلبية المظالم المادّية عن طريق المحسوبيات الانتقائية التي غالباً ما تستند إلى المجموعة. ويمكن التضحية برؤساء الوزراء وطردهم عند فشل تلك التكتيكات. أخيراً، يولّد قدر أكبر من التعدّدية منافسة بين المجموعات الاجتماعية – بين القبائل والمناطق؛ بين أردنيي الضفة الشرقية والفلسطينيين؛ بين الحضر والبدو؛ بين الساحل والداخل – بدلاً من مواجهة عمودية بين المجتمع والنظام. ويؤدي تعزيز مشاركة الفاعلين الاجتماعيين المدنيين والاجتماعيين إلى اضمحلال المطالب السياسية بدلاً من تعاظمها.
إذا وضعنا هذه المعادلات نصب أعيننا، تصبح حدّة الاحتجاجات في البحرين أقل إثارة للاستغراب. بما أن الانقسام المذهبي في المجتمع البحريني تحوّل الآن نظاماً سياسياً أكثر استناداً إلى الثنائية القطبية، تصاعدت مطالب المحتجين من تغيير رئيس الوزراء إلى الإصلاح الدستوري وصولاً إلى إلغاء الملَكية. وفيما وقعت إحتجاجات في لبنان والعراق التعدّديَّين، تبقى تلك الإحتجاجات محدودة ولا تهدد النظام السياسي. فضلاً عن ذلك، لا أحد يشكّك في الطابع التعدّدي للمجتمع اليمني. بيد أن النظام السياسي في اليمن أتاح لكل المجموعات التوصّل إلى توافق ضد مؤتمر الشعب العام احتجاجاً على الرئيس علي عبدالله صالح.
فيما تعلو الدعوات لإنشاء ملَكيات دستورية من المغرب إلى عمان، وترتفع المطالبات باستقالة الرؤساء من الجزائر إلى اليمن، الملوك والرؤساء هم أمام المعضلة نفسها – كيف يبقون في السلطة من خلال إصلاحات تدريجية من دون أن تتصاعد المطالب وتتحوّل ثورة (مصر) أو حرباً أهلية (ليبيا). حالات الاستقرار النسبية في العالم العربي اليوم لا تنبع من كون النظام ملكية أو جمهورية فحسب، بل من درجة التعددية في المجتمع التي يمكن تحويلها الى تيارات إصلاحية بدلاً من احتجاجات تتعاظم وتنفجر في تغيير النظام.

* راسل إي لوكاس أستاذ مشارك في السياسة والعلاقات الدولية في جامعة فلوريدا الدولية، ومؤلف “المؤسسات وسياسة البقاء في الأردن: إجابات داخلية لتحدّيات خارجية، 1998-2001″ (ألبانيا: مطبعة جامعة نيويورك الحكومية، 2005).

المصدر: نشرة الإصلاح العربي

لخثلان : «حقوق الإنسان» تطالب بعلنية المحاكمات

لخثلان : «حقوق الإنسان» تطالب بعلنية المحاكمات
الأحد, 03 أبريل 2011
الرياض – سعود الطياوي
أكد نائب رئيس الجمعية الوطنية السعودية لحقوق الإنسان الدكتور صالح الخثلان أن الجمعية طالبت مراراً وتكراراً بأن يحال المتهمون إلى المحاكم للنظر في قضاياهم ومن ثم يتم النطق بالحكم عليهم بدلاً من أن يبقوا في السجون من دون أحكام، مشيراً إلى أن الجمعية تعتبر هذا التوجه إيجابياً.

وأضاف الدكتور الخثلان في تصريح لـ«الحياة» تعليقاً على بيان هيئة التحقيق والادعاء العام حول استكمال إعداد لوائح الدعاوى في قضايا شملت 2080 محكوماً ومتهماً في السعودية إلى أنه كان من المفترض أن تكون الأحكام علنية وهذا هو الأصل على أساس أن يقتنع الجميع بأن الأحكام تمت وفقاً لنظام الإجراءات الجزائية ونظام المرافعات الشرعية.

وأشار الدكتور الخثلان إلى أن هناك نظاماً في الإجراءات الجزائية يجيز الأخذ بسرية المحاكمات ولكن في حالات استثنائية فقط وبحسب ما تقتضيه المصلحة العامة للتحقيق والمحاكمة، وإن كان هناك نوع من التحفظات لدى الجمعية فيما يصدر من أحكام.

وتساءل الدكتور الخثلان حول طبيعة تلك الأحكام وعلى أي أساس رفعت الدعوى عليهم طالما أن الدعاوى لن تكون علنية، وهل تم التحقيق معهم من هيئة التحقيق والادعاء العام أم من جهات أخرى، وهل في المقابل كفلت لهم حقوقهم النظامية المنصوص عليها في نظام الإجراءات الجزائية ومنها حق توكيل محامٍ أثناء التحقيق وإلا سيكون هناك مأخذ على التحقيق.

وحول أسباب الدعوة إلى علنية المحاكمات أكد الدكتور الخثلان أن المحاكمات لو تمت بشكل علني كما ينص القانون لحضرت الجمعية لمراقبة تلك المحاكمات، بيد أن الجمعية لا تعرف شيئاً عن تلك المحاكمات على الإطلاق من ناحية أنها كيف ومتى تمت وفي أي إطار، وهل كفلت لهؤلاء المتهمين حقوقهم أثناء المحاكمة، وإلا سوف تضع الجمعية علامة استفهام على تلك الأحكام. وذكر الدكتور الخثلان أنه في وجود محاكمات علنية سوف يكون الوضع مقبولاً من المجتمع والرأي العام وذوي المتهمين وأي مؤسسات أخرى، خصوصاً أن عذر وزارة العدل عن عدم إمكان المحاكمات العلنية كان بسبب عدم تهيئة المكان لأن تكون علنية، ولا يزال الوقت مناسباً مع ما تبقى من القضايا بأن تكون علنية، في إطار مشروع خادم الحرمين للإصلاح ومشروع تطوير القضاء والتأكيد على الشفافية.

http://ksa.daralhayat.com/ksaarticle/251409

الانترنيت ووظيفة التعبئة السياسية د. خالد فريد

الانترنيت ووظيفة التعبئة السياسية

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمية والشبكات الاجتماعية أصبحت تزود المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني عموما بأدوات وإمكانيات مهمة للاتصالات والتعبئة في مختلف الميادين ومن ضمنها المجال السياسي. حيث يستطيع الأفراد والجماعات أن يقدموا آراءهم ومواقفهم ويعبروا عن اعتراضهم، تجاه القرارات المتخذة والسياسات العامة المتبعة، وبذلك يعززون مبدئيا الاتجاهات نحو الديمقراطية السياسية.
وبالفعل تساهم تكنولوجيات المعلومات الجديدة في إعادة تشكيل عميق للثقافة السياسية، حيث يعتمد المجتمع المدني في القرن الواحد والعشرين على الإنترنت ووسائل الاتصالات الأخرى في بنيته التحتية، وفي الحصول على ملاذ رقمي يمكن فيه خلق وإدارة النقاشات المدنية والسياسية. مما يجعل المواطنين يتأقلمون مع التفكير والعمل الديمقراطي وتشكيل ومراقبة وتقييم السياسات العامة.

لذلك تستعمل مجموعات المجتمع المدني الإنترنت كأداة لوجستيكية للتنظيم والاتصال. وتوفّر شبكة الإنترنت في هدا السياق بنية تحتية للمعلومات مستقلة عن الدولة، حيث تتمكن الحركات الاجتماعية من النمو[1]. وهكذا بدلت شبكة الإنترنت حركات الاتصال السياسي في دول عديدة، وعليه أصبح فضاء الانترنت المنتدى الذي يتحدى فيه المجتمع المدني الدولة نفسها. ولقد اتخذت الثقافة السياسية الالكترونية لدى المواطنين محتوى دولي متزايد للأنباء التي يستمعون اليها. كما يستعمل أفراد العائلة والأصدقاء شبكات تويتر، فيسبوك، في اتصالاتهم، بصورة مستقلة عن رقابة الدولة المباشرة. ناهيك عن ازدهر عدد العاملين من المجتمع المدني على شبكة الإنترنت الخ.
لقد لعبت وسائط الاتصال الحديثة، المتمثلة خصوصا في المواقع والشبكات الاجتماعية، مثل «فايسبوك» و»تويتر» هذا الدور، أي التقريب بين الناس، الجمع بين الأفكار والطموحات والرغبات المشتركة، دفع الناس إلى اجتراح طرق التعبير عن آرائهم في حرية تامة، بعيدا عن الطابوهات وأشكال القمع الفردية والجماعية وبعيدا عن الرقابة والمنع. لقد أصبحت هذه الشبكات الاجتماعية بمثابة أغورا (agora) إغريقية، أي ساحة مفتوحة لتبادل الآراء، فيها يعبر الفاعلون عن رغبتهم في التمتع بالحرية وممارستها. وقد ازداد دور فضاءات الأنترنت، خصوصا في المجتمعات التي يشعر داخلها الناس -كأفراد أو كجماعة- محرومين من حرية التفكير والتعبير، مراقبين يوميا في أنماط التواصل بينهم، أي في مجتمعات تسلطية واستبدادية لا تعترف للمرء بحقه في المواطنة، وهو ما يحدث الآن في الصين وروسيا وفي العديد من البلدان العربية، حيث صار «فايسبوك» و«تويتر»، على مدى سنوات، المتنفَّسَ الوحيد للناس في مواكبة التحولات الحديثة التي تحدُث في أكثر من بقعة في العالم
وبالفعل فقد أظهرت وسائط الاتصال الحديثة المرتبطة بالشبكة العنكبوتية أنها تشكل عاملا من العوامل المهمة في تعبئة الحشود وصياغة الشعارات المرحلية من التحولات السياسية التي تعرفها بعض أقطار العالم العربي. أفرز هذا الأمر، أيضا، جيلا من المدونين الفاعلين بقوة في المجتمع المدني، يمكن تسميتهم المدونين -المقاومين أو المدونين -المنشقين، الذين جسدوا، عبر كتاباتهم وإسهاماتهم، الحس المدني الداعي إلى المواطنة والحقوق والحرية والمساواة في توزيع الثروة الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية الخ. فمثلا كان زهير يحياوي في تونس أحدَ أوائل هؤلاء المدونين المنشقين الشبان، وقد مات في سجون زين العابدين بن علي سنة 0052، بعد أن قضى سنة ونصف في الاعتقال التعسفي وخاض ثلاثة إضرابات عن الطعام. نشر مجلة إلكترونية بعنوان «tunizine» وكان يوقع مقالاته باسم «التونسي». كان زهير يحياوي أولَ ضحية لـ«القمع الأمني الإلكتروني»، فقط لأنه نشر رسالة للقاضي مختار يحياوي، عمه، الذي فصله نظام بن علي، لرفضه إصدار أحكام انطلاقا من تعليمات خارجية داعية إلى خرق القانون. وقد كانت مدونة زهير يحياوي تتميز بالتعليقات السياسية الجريئة والسخرية السوداء والمقالات التحليلية، ليتم القبض عليه في النهاية، بتُهم نشر أخبار كاذبة وسرقة وسائل اتصال والاستعمال السري لها.
* أستاذ التعليم العالي جامعة القاضي عياض- مراكش

http://diae.net/2011/03/01/2748

[1] فعلى سبيل المثال، نظم مواطنون تونسيون يرصدون الفساد في الدولة صفوفهم لإعداد أشرطة فيديو بثت على يوتيوب تظهر زوجة الرئيس التونسي وهي تستعمل الطائرة الرسمية للقيام برحلات تسوّق إلى باريس

وصفة” حقوقية لتوسيع المشاركة وتفعيل الحوار وتعزيز القضاء

الرياض: عبد الله فلاح 2011-03-16 1:26 AM
وضعت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان “وصفة” من 10 نقاط لتوسيع المشاركة الشعبية، وحماية النزاهة ومكافحة الفساد، وتعزيز استقلال القضاء، ومحاسبة المتهاونين في تطبيق نظام الإجراءات الجزائية، مع تمكين المرأة والطفل والمسنين من حقوقهم الشرعية والنظامية، والتركيز على أهمية الحوار.
الجمعية دعت في بيان أصدرته أمس إلى الاستمرار في مشروع خادم الحرمين الشريفين للإصلاح السياسي بما يضمن توسيع المشاركة الشعبية، عن طريق التوسع في انتخاب أعضاء المجالس البلدية والنظر في انتخاب بعض أعضاء مجالس المناطق ومجلس الشورى، وإعطائهم المزيد من الصلاحيات لمراقبة الميزانيات ومساءلة المسؤولين التنفيذيين.
وضماناً لحقوق الإنسان في المملكة رأت الجمعية ضرورة تعزيز استقلال القضاء وحماية القضاة من التدخل والتأثير عليهم، ومحاسبة المقصرين منهم، مع سرعة تصحيح أوضاع الأشخاص الذين لا يحملون أوراقاً ثبوتية أو هويات. ودعا بيان النقاط العشر إلى وضع نظام الإجراءات الجزائية موضع التنفيذ الفعال والعاجل، بما يضمن الإفراج عن المسجونين الذين استنفدوا محكومياتهم.
واعتبرت جمعية حقوق الإنسان أن العمل والسكن والتعليم والصحة حق مضمون لكل المواطنين، ولم تغفل أهمية تمكين المرأة والطفل والمسنين من حقوقهم الشرعية والنظامية.
كما ركز البيان على أهمية الحوار الذي تبناه خادم الحرمين الشريفين كوسيلة لإبداء أي مطالب مع تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني للمشاركة في القرارات الوطنية والحوار واحترام حرية الرأي والتعبير والدفاع عن الحقوق.
وقال البيان إن المجلس التنفيذي للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان يراقب بتقدير كبير، ما يتحلى به المواطنون من رؤية ثاقبة للأوضاع الإقليمية حولهم، والتفافهم حول ثوابت الدين والوطن ومكتسباته وقيادته، مما أحبط محاولات إثارة الأفكار والمواقف التي قد تخل بالأمن والأمان اللذين تنعم بهما المملكة، دون إنكار لحق التعبير عـن الرأي بالطرق الشرعية والنظامية الساريـة.
وأكدت الجمعية تثمينها الخطوات التي أعلنتها الحكومة السعودية مؤخراً للحفاظ على أمن المملكة واستقرارها والداعمة لتحسين حالة المواطن المعيشية والاجتماعية والاقتصادية، وتقديرها لقوة التلاحم بين الشعب السعودي وقيادته.

دعت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان إلى ضرورة تفعيل عدد من القرارات والموضوعات التي تمس حقوق الإنسان، وفى مقدمتها الاستمرار في مشروع خادم الحرمين الشريفين للإصلاح السياسي بما يضمن توسيع المشاركة الشعبية، مؤكدة متابعتها ورصدها للتطورات التي شهدها الشأن العام السعودي خلال الفترة الماضية، وتثمينها الخطوات التي أعلنتها الحكومة السعودية مؤخراً للحفاظ على أمن المملكة واستقرارها والداعمة لتحسين حالة المواطن المعيشية والاجتماعية والاقتصادية، وتقديرها لقوة التلاحم بين الشعب السعودي وقيادته التي أحبطت بعض الأفكار المخلة بالأمن.
جاء ذلك فى بيان رسمي أصدرته الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان – تلقت “الوطن” نسخة منه – قالت فيه إن المجلس التنفيذي للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، قياما بواجبه في تحقيق أهداف الجمعية، بالعمل على حماية حقوق الإنسان، وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية والنظام الأساسي للحكم في المملكة، الذي مصدره الكتاب والسنة، ووفقا للأنظمة المرعية، وما ورد في الإعلانات والمواثيق العالمية الخاصة بحقوق الإنسان، وبناءً على ما رصدته الجمعية وتابعته من تطورات في الشأن العام المحلي، في الآونة الأخيرة، فإن المجلس التنفيذي، يثمن عاليا الخطوات التي أعلنت عنها حكومة خادم الحرمين الشريفين مؤخرا من الحفاظ على أمن المملكة واستقرارها، والمتضمنة دعم المستوى المعيشي للمواطنين، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية لبعض الفئات تحقيقا لمستويات أفضل للتنمية في المملكة.
وأوضح البيان أن المجلس يراقب بتقدير كبير، ما يتحلى به المواطنون من رؤية ثاقبة للأوضاع الإقليمية حولهم، والتفافهم حول ثوابت الدين والوطن ومكتسباته وقيادته، مما أحبط محاولات إثارة الأفكار والمواقف التي قد تخل بالأمن والأمان اللذين تنعم بهما المملكة، دون إنكار لحق التعبير عن الرأي بالطرق الشرعية والنظامية السارية، التي تحفط أمن الوطن، واستدامة اسقراره، ودون تجاهل للمطالب المشروعة لبعض المواطنين، مما سيجد كل عناية وحرص من قبل حكومة خادم الحرمين الشريفين، على توفير الحياة الكريمة لكل أبناء الوطن رجالا ونساءً، مراعاة لحقوق الإنسان، ودون أي تمييز. وأضاف البيان “أن المجلس التنفيذي لينتهز هذه الفرصة، للتعبير عن ثقته في هذا التلاحم بين الحكومة والمواطنين، ويدعو أبناء هذا الوطن المعطاء، إلى المزيد من العمل والتعاون والتلاحم، فيما يحقق الاستقرار والحفاظ على المكتسبات التي تحققت حتى الآن”، ويذكر المجلس أنها مازالت هناك حاجة ماسة للعمل على تفعيل وتطوير الممارسات والبرامج، التي تخص الشأن العام الداخلي التي أشارت إليها تقارير الجمعية الصادرة عن أحوال حقوق الإنسان في المملكة.
ودعت الجمعية في بيانها إلى:
- الاستمرار في مشروع خادم الحرمين الشريفين للإصلاح السياسي بما يضمن توسيع المشاركة الشعبية، عن طريق التوسع في انتخاب أعضاء المجالس البلدية والنظر في انتخاب بعض أعضاء مجالس المناطق ومجلس الشورى، وإعطائهم المزيد من الصلاحيات لمراقبة الميزانيات ومساءلة المسؤولين التنفيذيين مما يدعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، والأمني، ويحفظ المال العام من التعديات.
- ضرورة الحرص على بث روح المواطنة الصالحة، وتفعيل الشعور بها بين كل فئات وطبقات المجتمع في مختلف مناطق المملكة، دون تمييز، مما يحفظ هذا الكيان العظيم ويدعم ريادته الإقليمية والعالمية، ويكرس مكانته منارة للاستقرار والأمن وحماية حقوق الإنسان.
- وضع الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد، التي أقرها مجلس الوزراء بالمملكة، موضع التنفيذ والمبادرة إلى تأسيس هيئة مكافحة الفساد وإصدار ما يلزم لها من أنظمة ولوائح وإجراءات، تعجل بمعالجة الفسادين المالي والإداري، وتعزز مبدأ المساءلة في كافة الأجهزة الحكومية مع منع سوء استخدام السلطة والنفوذ.
- تعزيز استقلال القضاء وحماية القضاة من التدخل والتأثير عليهم، ومحاسبة المقصرين منهم ، وتفعيل تطبيق الأنظمة العدلية، والتفتيش القضائي، ضمانا لحقوق الإنسان في المملكة.
- تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني للمشاركة في القرارات الوطنية والحوار واحترام حرية الرأي والتعبير والدفاع عن الحقوق.
- إيجاد حلول عاجلة وفعالة وسريعة، لقضايا الأشخاص الذين لا يحملون أوراقا ثبوتية أوهويات والعمل على تصحيح أوضاعهم بما يضمن حصولهم على حقوقهم ويحول دون الآثار السلبية المترتبة على أوضاعهم الحالية .
- وضع نظام الإجراءات الجزائية، موضع التنفيذ الفعال والعاجل، ومحاسبة المتهاونين في تطبيقه من الجهات المختصة، بما يضمن الإفراج عن المسجونين الذين استنفدوا محكومياتهم، والتعامل مع الموقوفين الأمنيين، أو أصحاب الآراء المرجوحة، بما يوفر تواصلهم مع أسرهم والدفاع عنهم، وتفعيل مساهمتهم الاقتصادية والاجتماعية في وطنهم العزيز، مع تمكين هيئة التحقيق والادعاء العام من سرعة مباشرة قضاياهم والبت فيها، وتفعيل الرقابة على السجون بما في ذلك سجون المباحث.
- تمكين المرأة والطفل والمسنين، من حقوقهم الشرعية والنظامية، وسرعة إصدار مدونة الأحوال الشخصية بالرأي الفقهي الراجح المعتبر لتغير الظروف والأزمان، وتوجيه الجهاز القضائي لسرعة البت في قضايا المرأة ذات البعد الاجتماعي حماية للأسرة والأطفال، ومعالجة لقضايا العنف الأسري.
- ضمان الحق في العمل والسكن والتعليم والصحة لكل المواطنين، من خلال تفعيل القرارات والأوامر السامية الصادرة بهذا الشأن والتوسع في تطبيقها وتفعيل البرامج ذات الصلة ومراقبة تنفيذ المشاريع المعتمدة لكي تحقق أهدافها التنموية والاجتماعية، ودعم مبدأ اللامركزية في الإدارة لهذه القطاعات الحيوية، وسرعة إلغاء الإجراءات المعيقة لتحقيق الأهداف دون التضحية بالرقابة والمساءلة والمحاسبة.
- تؤكد الجمعية على أهمية الحوارالذي تبناه خادم الحرمين الشريفين كوسيلة لإبداء أي مطالب وتأمل أن توضع الآليات والوسائل المحققة لذلك بما يضمن استمرار التلاحم والتكاتف بين المجتمع وقيادته الرشيدة.

غياب المجتمع المدني يهدد تماسك الدولة (النموذج الليبي) الخثلان

الحرب التي تعيشها ليبيا الان و التي غيرت مسار الانتفاضات الشعبية السلمية وجعلت المواطن العربي يعيش حالة ترقب وقلق بدل ترقب انتشاء و ترحيب خشية من نتائجها الماساوية على الشعب وعلى الدولة كما يحدث الان للاشقاء في ليبيا
سبب هذه الحرب او احد اسبابها الرئيسة يمكمن في مسيرة التطور السياسي في ليبيا بعد الانقلاب العسكري في 69 حيث نشاء نظام سياسي غيب وبشكل تام المجتمع و قضى على نواة المجتمع المدني واصبحت ليبيا تحكم وتدار من قبل لجان “شعبية” وهو ما جعل الناس تعود وبشكل فطري الى هوياتها الاساسية (القبلية) للاحتماء من اشرار الحرب. وقد عزز هذه النزعة ترسيخ النظام الليبي خلال اربعين سنية هذه الانتماءات القبلية لتصبح عائقا اما تشكل هوية وطنية قوية قادرة على التماسك خلال الازمات. العامل الايجابي الوحيد الذي يجعلنا نتفاءل في ضبط هذا الإنحدار نحو الهويات القبيلية هو ان ابناء ليبيا اجمعوا على مواجهة “خصم” مشترك يتمثل في العقيد لذلك نجد الحرص على التأكيد على الهوية الوطنية في مواجهة الهويات الفرعية

الدروس المستفادة من «ثورة الياسمين» و«جيش الفيسبوك د محمد السيد سليم النهار

http://www.annaharkw.com/annahar/Article.aspx?id=257231

من المؤكد أن الانتفاضة الشعبية التونسية التي أدت الى تغيير رأس النظام في 14 ينايرتعد نقطة تحول مفصلية ليس فقط في تاريخ تونس ولكن في تاريخ العرب. فمنذ الانتفاضة الشعبية السودانية سنة 1964 التى أدت الى سقوط نظام الفريق عبود، والانتفاضة الشعبية السودانية سنة 1985 التي أدت الى سقوط نظام اللواء جعفر نميري، والى اقامة نظام ديموقراطي في السودان عقب الانتفاضتين، لم يشهد العالم العربي تحركات شعبية مؤثرة رغم أن تلك التحركات أصبحت سمة عامة لكثير من الأنظمة الديكتاتورية قبيل نهاية الحرب الباردة وبعدها كما حدث في رومانيا، وألمانيا الشرقية، واندونيسيا، وجورجيا، وقيرغيزستان وغيرها. أصبحت الموجه الديموقراطية سمة عامة للنظم السياسية بما فيها دول شرقي آسيا التي حققت المعجزة الاقتصادية ثم تحولت ديموقراطيا. ولكن العالم العربي بدا عصيا على التحول الديموقراطي حتى راجت مقولة أن العرب هم استثناء من القاعدة.

وفي اطار صراع الحضارات روجت بعض القوى المحافظة في الغرب الى أن هذا الاستثناء يعود الى الاسلام، حيث ادعوا أنه دين يدعو أتباعه الى الطاعة السياسية المطلقة. جاءت الانتفاضة التونسية لتثبت عدم صحة هذا الزعم، وأن العرب والمسلمين عموما شعوب تتوق الى الديموقراطية والتنمية شأنهم شأن باقي شعوب الدنيا، خاصة أن تلك الانتفاضة أتت في وقت حرج للعرب حيث يجرى فيه تقسيم جسد السودان في أول عملية انفصال سياسي في تاريخ العرب منذ انفصال سورية عن مصر سنة 1961. وبذلك ردت الانتفاضة التونسية الاعتبار ليس فقط للتونسيين ولكن أيضا لكل العرب والمسلمين. ورغم قصر عمر الانتفاضة التي بالكاد أكملت شهرا، الا أنها طرحت العديد من الدلالات والدروس بالنسبة لحركيات العصر الذي نعيشه، وآليات التحول الديموقراطي، ودور القوى الدولية لابد أن نعيها للعمل على هديها حتى تتحقق التحولات الديموقراطية في البلاد العربية التي تفتقد الديموقراطية بشكل سلمي وأقل كلفة.

(1)

لعل الدرس الأول الذي تكشف عنه الانتفاضة هو أثر ثورة الاتصال العالمي والثورة الالكترونية على التغير الديموقراطي. فقد لعبت الفضائيات دورا مهما في نقل بل وأحيانا في حفز تطور الأحداث من مرحلة الاحتجاج في سيدي بوزيد الى مرحلة الانتفاضة في تونس العاصمة، الى مرحلة الثورة التي تتبلور حاليا. نقلت الفضائيات الأحداث في لحظة وقوعها وقامت في بعض الأحيان بتحريك الأحداث عن طريق تكرار الاشارة وابراز أحداث معينة، ولفت نظر الجماهير التونسية الى مايحدث في مختلف أنحاء الدولة وكشف دور «الحرس الرئاسي» في محاولة تصفية الانتفاضة. من ناحية ثانية فان سرعة وسهولة نقل المعلومات الكترونيا أدى الى تعبئة الرأي العام التونسي بسرعة هائلة على مستويين . المستوى الأول هو أثر التواصل الالكتروني بين الأجيال الجديدة على بلورة وعيها الجماعي. فقد أدى تواصل الشباب التونسي ومعه شباب دول أخرى على مختلف مواقع الانترنت، وبالذات موقع فيسبوك، الى خلق «جيش مدني» يدعم الانتفاضة. وقد بلغ عدد شباب الفيسوك في تونس حوالي مليونين من الشباب، وهو جيش عمل على تحريك الشارع من خلال التواصل الصامت عبر الانترنت. ولكن المؤكد أنه بدون توافر الظروف الموضوعية المهيئة للانتفاضة ما كان لجيش الفيسبوك التونسي أن يفعل شيئا. اما المستوى الثاني فهو نشر وثائق ويكيليكس عن تونس على الانترنت. فقد كشفت تلك الوثائق ادراك الولايات المتحدة لطبيعة نظام بن علي. فقد نصت برقية أرسلها السفير الأميركي في تونس في 17 يوليو سنة 2009 الى وزارة خارجيته على انه رغم التقدم الاقتصادي والاجتماعي في تونس فان سجل النظام في الحريات السياسية محدود «وتونس دولة بوليسية، لايوجد فيها الا القليل من حرية التعبير والاجتماع ولديها مشكلات خطيرة في مجال حقوق الانسان….. والمشكلة واضحة، يقول السفير، فنفس الشخص يحكم تونس منذ 22 سنة ونظامه فقد الصلة بالشعب التونسي. فهو لايقبل أي نقد أو نصيحة سواء داخلية أم خارجية. ويعتمد بشكل متزايد على البوليس ويركز على حماية سلطته. كما أن الفساد في الدائرة الداخلية ينمو. «أضاف السفير أن التونسيين يكرهون سيدة تونس الأولى ليلى الطرابلسي وعائلتها…. وفي الوقت ذاته يتزايد الغضب على ارتفاع معدل البطالة في تونس وعلى التمييز بين الأقاليم. « خلص السفير الى «أن المخاطر على الاستقرار بعيد الأمد للنظام تتزايد.» وأثنى السفير على نظام بن علي لأنه يرفض المقاطعة العربية لاسرائيل ويتعامل مع اسرائيل سرا ويؤيد سلطة محمود عباس ويدعم الولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب. واصل السفير برقياته واصفا الانتخابات الرئاسية سنة 2009 بأنها ليست نزيهة. كان تسريب تلك الوثائق على شبكة الانترنت مدمرا لسمعه النظام وعاملا مشجعا للتونسيين على التمرد عليه. لايمكن القول ان تسرب تلك الوثائق على شبكة الانترنت هو الذي أدى الى اشعال الانتفاضة التونسية، ولكنه بدون شك أسهم في شحن القوى السياسية المعارضة في تونس. ولما كان من المستحيل وقف تلك الثورة الالكترونية، فان الدرس الرئيس هو كيف يمكن أن نكيف مؤسساتنا السياسية للتعامل مع مقتضيات تلك الثورة بحيث تتحول الى رصيد بدلا من أن تصيرعبئا.

(2)

لعل الدرس الثاني للانتفاضة التونسية يتعلق بالنموذج التنموي الذي طبقه بن علي، وهو نموذج يفي بمتطلبات عصر العولمة بما فيها وصفة صندوق النقد الدولي المسماة بالتكيف الهيكلي، ووصفة منظمة التجارة العالمية المسماة تحرير التجارة العالمية. طبق بن علي هاتين الوصفتين تطبيقا أمينا بما في ذلك رفع الدعم عن السلع الأساسية والطاقة وتحرير القطاع المالي. ويوضح «مقياس كيرني للعولمة الاقتصادية» أن تونس تحتل المرتبة 64 من 208 دولة (أي المرتبة 30 اذا كان عدد الدول 100)، وهي مرتبة متقدمة. ولكن الاندماج في العولمة الاقتصادية انتهى بتونس الى اغلاق الصناعات، وفقدان الوظائف أمام هجوم المنتجات الأوروبية. وهذا درس بليغ لمن يصرون على أن هناك معايير عالمية واحدة للتقدم، وهي المعايير الغربية ويؤكدون أنه لاتقدم بدونها. ويقدمون مقولتهم في شكل حتمية تاريخية جديدة أشبه بالحتمية الماركسية، ولكن بشكل معكوس. لايفهمون أنه لاتوجد وصفة عالمية واحدة للتقدم، وأن النماذج الآسيوية تختلف عن النماذج الغربية.

وعلينا أن نقارن الحالة التونسية بالمعايير التي طبقها لولا دا سيلفا في البرازيل، وهي معايير الانحياز الى الفقراء والاستقلال الوطني، والتي نجح من خلالها من تحقيق معجزة على ضفاف نهر الأمازون مقارنة بالفشل الذي حدث على ضفاف المتوسط. كان بن علي أكثر من بالغ في تطبيق المعايير الاقتصادية التي طلبها منه الاتحاد الأوروبي، وأول من وقع اتفاقية المشاركة مع الاتحاد سنة 1995، وانتهى به الأمر هذه النهاية المأساوية.

لاتعطي معايير المؤسسات المالية الغربية لقضية عدالة توزيع الدخل أي أهمية. فما يهمها هو نسبة النمو وتوازن الميزانية وانهاء دور الدولة. وهو ماحدث في تونس. ولكن عوائد التنمية المحدودة التي حدثت كانت لصالح النخبة المحيطة ببن علي على حساب افقار الملايين من التونسيين. فلا بديل عن ضمان حسن توزيع الثروة القومية ليس بالتساوي بين الجميع ولكن بمقدار الجهد الحقيقي المبذول وبشرط اتاحة الفرصة ذاتها للجميع.

كذلك فان النموذج التنموي لبن علي قام على افتراض أن النمو الاقتصادي بديل للديموقراطية، وأنه من الممكن اهدار الديموقراطية اذا حقق النظام السياسي انجازا تنمويا، على غرار حالة النمور الاسيوية في حقبة الحرب الباردة. ولكن معضلة بن علي أنه جاء الى الحكم في أواخر عصر الحرب الباردة وظل مقتنعا بفرضياتها حتى بعد سقوط تلك الفرضيات. حيث ان عالم مابعد الحرب الباردة أصبح هو عالم ثورة الاتصال وتكنولوجيا المعلومات والتطلعات المتزايدة للشباب المتعلم، وهو عالم يفرض أن تعود ثمار التنمية على الجميع، وأن يصاحب النمو الاقتصادي تطور ديموقراطي مواز. بل ان النمو الاقتصادي لاينجح ولايثمر الا اذا تم في اطار ديموقراطي حقيقي.

(3)

أما الدرس الثالث فانه يتعلق بآليات التحول الديموقراطي في البلاد العربية. فهذا التحول يحدث بشكل أكثر سلمية وأقل تكلفة وربما أكثر ديمومة اذا ماجاء على يد الشعوب ذاتها، وليس من خلال تدخل القوى الخارجية. فقد شاع في فترة مابعد سنة 2003 مفهوم الشرق الأوسط الأكبر، ويتحصل جوهره في التركيز على التحويل الديموقراطي للنظم السياسية العربية من خلال تدخل القوى الكبرى لتشجيع هذا التحويل من خلال تقدم الأموال لمؤسسات المجتمع المدني. ونشأ مايمكن أن نسميه بالكونسورتيوم العالمي لنشر الديموقراطية في العالم العربي. ولكن هذا الكونسورتيوم فشل في تحقيق أي تقدم ديموقراطي لأنه وظف ورقة الديموقراطية لتحقيق مصالح الدول الكبرى، والتي ما أن رأت أن قليل من الديموقراطية الانتخابية سيؤدي الى زيادة دور الاسلاميين في الحكم، تراجعت عن المشروع الديموقراطي برمته، وان احتفظت به حيا لاستخدامه عند اللزوم.في اطار هذا المشروع لم يحدث أي تقدم ديموقراطي في تونس، بل رأينا الكونغرس الاميركي يخصص 12 مليون دولار لدعم الأجهزة الأمنية لبن علي، ورأينا ساركوزي يمتدح نظام بن علي علنا قبيل الانتفاضة بقليل، بل ان المصممين لمقياس العولمة السياسية أعطوا تونس الترتيب 35 من بين 208 دولة (أى الترتيب 16 اذا كان عدد دول العالم 100)، وهي نتيجة مثيرة للجدل في ضوء ماكشفت عنه الانتفاضة من قمع سياسي شامل. ولكن التحول الحقيقي حدث على يد الشعب التونسي ذاته ومن الداخل. ومن ثم، فان الدرس الرئيس هو أن تكف القوي الخارجية عن التدخل في شؤون الدول العربية تحت ستار نشر الديموقراطية، وأن تتوقف عن دعم الأنظمة التسلطية، وأن تترك الآليات السياسية الشعبية العربية تتحرك لتحقيق التغيير السياسي بالشكل والوتيرة التي تناسب ظروفها. الغريب أن الدول الغربية في الوقت الذي أنشأت فيه الكونسورتيوم الدولي، فانها لم تتدخل اطلاقا لوقف ممارسات اسرائيل لضرب الديموقراطية في فلسطين، بما في ذلك اعتقال النواب المنتخبين لتمثيل الشعب الفلسطيني في مجلسه التشريعي، بما فيهم رئيس المجلس. ومازال بعضهم يقبع في السجون الاسرائيلية.

وقد كتب ستيفن زونس، الأستاذ في جامعة سان فرانسيسكو، مقالا ندد فيه بالصمت الغربي ازاء ماحدث في تونس، وتخيل أن ماحدث في تونس قد حدث في بورما أو ايران. فماذا عساه أن يكون رد الفعل الغربي؟ بل يضيف أنه في حالات أقل بكثير، مثل أوكرانيا وصربيا، أمدت الولايات المتحدة المعارضة التي تقوم بالتظاهر بالدعم المادي. ولكن في حالة تونس فانها صمتت. وقد كتب الأستاذ البرتغالي آلفيرو دي فاسنكونزالس، مدير معهد الدراسات الأمنية في لشبونه، مقالا بعنوان «تونس، فرصة للديموقراطية» حث فيها الاتحاد الأوروبي على أن يستثمر الفرصة الراهنة لكى يستعيد مصداقيته لدي التونسيين ويدعوه الى تأييد مطلبهم بانهاء حكم الحزب التجمع الدستوري قبل اجراء الانتخابات القادمة، وأن يتخلى عن دعمه للأنظمة التسلطية.

(4)

تكشف الانتفاضة التونسية عن درس رابع هو السجل المتدني لما سمي بمشروعات المشاركة الأوروبية مع دول البحر المتوسط، وفي مقدمتها تونس. كانت تونس أول بلد عربي وقع اتفاقية المشاركة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1995 على أساس أنها ستفتح أبواب الخير أمام تونس. فتح نظام بن علي الأسواق أمام الأوروبيين وطبق الروشتة الاقتصادية للاتحاد، وقام بقمع الممارسات الدينية ارضاء للأوروبيين. ولكن بعد خمس عشرة سنة وجد نفسه في موقف أقل مما كان عليه سنة 1995 بكثير. والحق أن المشروعات الأوروبية سواء في البحر المتوسط أو في الخليج العربي بما في ذلك مشروع مايسمى بالاتحاد من أجل المتوسط، ومشروع منطقة التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون الخليجى والاتحاد الأوروبى هي مشروعات تعمل لصالحهم وليس لصالحنا. ولعل ذلك يفسر قرار المجلس بوقف مفاوضات منطقة التجارة الحرة بعد عشر سنوات في التفاوض. لن تؤدي مشروعات الاتحاد الأوروبي للمشاركة الى تحقيق تقدم اقتصادي أو سياسي في البلاد العربية لأسباب كثيرة لامجال لشرحها في هذا المقال. ولكن تونس، أكبر المندمجين العرب في المشروع الأوروبي، انتهت نهاية مأساوية تشهد على أوهام تلك المشاركة.

(5)

أتصور أن تونس تمر حاليا بمرحلة انتقال حاسمة. فاما أن تتحول الى ديموقراطية حقيقية بعد اجراء الانتخابات القادمة، واما أن تنتكس وترتد الى مايشبه نظام بن علي اذا تدخلت القوى الخارجية لحجب أو تعطيل أو الغاء الانتخابات اذا جاءت بقوى غير مرغوبة، كما حدث في الجزائر. وفي الحالة الأخيرة، يمكن أن تتحول تونس الى حالة الفوضى الشاملة. ولكن هذا الاحتمال يبدو محدودا نظرا لأن الانتفاضة أثبتت أن الجيش التونسي ملتزم بدوره الدفاعي عن تونس بدليل أنه لم يقبل طلب بن علي للتدخل لقمع الانتفاضة. ولضمان ألا تنتكس العملية الديموقراطية التونسية، فان أولويات الدول العربية يجب أن تكون التأكيد على دعم العملية الديموقراطية في تونس، والأهم من ذلك الاعتراف بنتائج العملية الانتخابية مهما كانت. من ناحية أخرى، يجب تحويل قرارات القمة الاقتصادية العربية في شرم الشيخ بخصوص بناء بنية أساسية اقليمية عربية بأموال عربية، الى واقع ملموس. فمصائر العرب أصبحت مترابطة أكثر من أي وقت مضى

الشرق الأوسط يعيش نموذجين من التغيير الديمقراطي Brookings

Shadi Hamid, مدير الأبحاث في مركز بروكنجزالدوحة
POLITICO
2 شباط/فبراير 2011 —
لعلنا نقف على عتبة مرحلة ديمقراطية عربية، ولا تختص هذه الديمقراطية بالدول الإفرادية وظروفها الاقتصادية والسياسية الخاصة رغم أن هذه الظروف في حد ذاتها لا تخلو من الأهمية، ولكن ما يجري حالياً هو أكبر وأكثر من ذلك، حيث بدأ العرب يكتشفون قوة لم يدركوا قط أنهم يتمتعون بها. وبالتالي، ظلت الأنظمة العربية تعطي الانطباع بأنها مستقرة وقوية وآمنة وذلك بتوظيف القدرات والوسائل القمعية الساحقة. وفي وجه هذه الصعوبات كان النضال من أجل التغيير الديمقراطي يعتبر فشلاً أكيداً حتى قبل انطلاقه.
إلا أن التطورات في تونس لعبت دوراً حاسماً، وأثبتت أن الاستقرار الذي تبجحت به الحكومات الاستبدادية لم يكن إلا وهماً، ولا يمكن لهذه الحكومات الصمود أمام القوة الشعبية، فالأرقام لها أهميتها لما تعطي من الشعور بالقوة والأمان.

حتى ولو باءت محاولات الثورة بالفشل لن تستطع الأنظمة العربية أن تعود إلى نفس وضعها الذي كانت عليه في الماضي، بل سينتابها الخوف من الثورة التالية، أما المعارضة فستنتظربدورها، لأن مثل هذه الثورة قد يحدث في المستقبل، فلم يعد استقرار أي نظام أمراً مضموناً، ومن الملفت للنظر أن نفس هذا الشعور سائد في سياقات مختلفة، فأصبح النشطاء في اليمن ـ مستوحين من الأحداث التي شهدتها تونس والتي تشهد الآن مصر ـ يخططون احتجاجات “يوم الغضب” في الثالث من شهر شباط/فبراير، أما السوريون فيعتزمون تنظيمها في الخامس من شهر شباط/فبراير، كما شهد شمال السودان أيضا موجة منها، وفي غضون ذلك أفلحت جهود المعارضة في الأردن الجارية منذ سنوات عديدة في تنظيم موجة احتجاجات ناجحة لدفع تغييرات غير مسبوقة في طبيعة النظام الملكي في المملكة الأردنية الهاشمية.

والآن يظهر نموذجان للتغيير الديمقراطي، أحدهما النموذج التونسي ـ المصري ـ اليمني الذي يسعى للإطاحة بالنظام، ويبدو أنه ينطبق في الجمهوريات التي يحمل فيها المتظاهرون مطلبا وحيدا، وهو مطلب بسيط وشامل يتمثل في تخلي الرئيس عن السلطة. فيركز المتظاهرون على شخصية الرئيس لما يتمتع به من صلاحيات مطلقة ودور مهيمن، الأمر الذي يشجع المعارضة على توحيد صفوفها. ورغم اختلافها في الكثير من الأمور إلا أنها تتفق ـ في نهاية المطاف ـ على أهمهما، وهو الإطاحة بالرئيس.

أما النموذج الآخر للتغيير فهو يتمحور حول الإصلاحات الدستورية في الدول العربية التي يحكمها الملوك، ففي الدول مثل الأردن والمغرب يتم إجراء انتخابات حرية ونزيهة إلى حد معقول، إلا أن هذه الانتخابات لا تحمل دلالة تذكر لأن القرار النهائي ينحصر في شخصية الملك، والمشكلة هنا لا تكمن في شخصية الملك نفسه بالضرورة بل في مؤسسة الملكية والصلاحيات غير النسبية التي تتمتع بها هذه المؤسسة، ويمكن حل هذه المشكلة من خلال تطبيق إصلاحات دستورية تؤدي إلى نقل الصلاحيات والسلطة من الملك إلى برلمان منتخب ومؤسسة قضائية تتمتع بالاستقلالية، وهذا ما تطالب به جماعات المعارضة في الأردن.

ورغم هذا الاختلاف في النموذجين إلا أن كلاهما عبارة عن تعديل الهياكل السياسية فضلاً عن تطبيق إصلاحيات تدريجية بطيئة، وهو ما لم يفهمه القادة، ويبدو أنهم لا يزالون يعتقدون أن بإمكانهم أن يتخذوا إجراءات وتدابير ناقصة لاسترضاء شعوبهم، إلا أن الدرس الذي يستفاد من أحداث تونس ومصر ـ بجانب اليمن والأردن والدول الأخرى ـ ليؤكد أنه قد عيل صبر السكان العرب بعد طول الانتظار.

http://www.brookings.edu/opinions/2011/0202_egypt_democracy_hamid.aspx?p=1

“احداث البحرين” استخدام القوة ليس حلاً ناجعاً لابد اولا من معرفة الاسباب الحقيقية للاحتجاجات ومن ثم العمل على معالجتها

الملك عبدالله وقف ضد محاولات تحييد “حقوق الإنسان” وموعودون بزيارة مزيد من السجون

قصة العدد

الخثلان: الملك عبدالله وقف ضد محاولات تحييد “حقوق الإنسان” وموعودون بزيارة مزيد من السجون

مؤسسات حقوق الإنسان فشلت في تحقيق تقدم في الحقوق المدنية والسياسية

صالح الخثلان
الرياض: موسى بن مروي 2010-10-05 2:54 AM
أقر نائب رئيس “الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان”، الدكتور صالح بن محمد الخثلان، بوجود تراجع في نشاط الجمعية، معللا ذلك بما أسماه “حالة الركود العامة التي يمر بها المجتمع”. معترفا في ذات الوقت بـ”إخفاق مؤسسات حقوق الانسان”، في تحقيق تقدم في مجال الحقوق المدنية والسياسية، رغم أنها تدخل في صلب المشروع الإصلاحي، لخادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز، والذي يؤكد الخثلان أنه وقف ضد محاولات تحييد الجمعية، وتقييد ممارساتها.
الخثلان أوضح أن “المديرية العامة للسجون”، أصبحت ترحب بزيارات أعضاء الجمعية، بعد أن وجدت في تقارير الجمعية عوناً لها .
وفيما يتعلق بـ”ضعف الوعي بحقوق الإنسان”، أرجع الخثلان السبب إلى “انقسام النخب المثقفة حول المفهوم، ووجود بيروقراطية شديدة، تجعل الإنسان لا يفكر في الاستعانة بكثير من الأجهزة الحكومية المعنية”، والتي اعتبر أنها تفتقد للحس الحقوقي، في ظل عدم وجود نصوص تشريعية دقيقة، تضمن حقوق الإنسان، مطالباً بجعل احترام حقوق الإنسان، معياراً لكفاءة الأداء، وقياس الفاعلية في الأجهزة الحكومية. وهنا نص الحوار:
يلحظ البعض تراجعاً في نشاط وحضور الجمعية في المجتمع، مقارنة بأدائها خلال سنواتها الاولى، ما سبب ذلك؟
نعم، سمعنا هذه الملاحظة، كما أننا أنفسنا لدينا مثل هذا الشعور، بالتراجع النسبي في أداء الجمعية. ولكن ومن أجل الموضوعية، لابد من الإشارة أولا إلى عدم دقة المقارنة، بين أداء الجمعية اليوم، وأدائها في السنوات الأولى لتأسيسها. فمعلوم أن البدايات في أي عمل تحمل، زخماً كبيراً، ودافعية عالية للعمل، خاصة في مجال كحقوق الانسان، حيث مثَل تأسيس الجمعية ذلك الوقت، حدثاً استثنائياً في المملكة. ثانياً، التراجع النسبي في نشاط الجمعية – اذا صح ذلك- لا يخرج عن الحالة العامة في المجتمع. فاليوم هناك حالة ركود عامة في المجتمع، مقارنة بخمس سنوات مضت. فالانتخابات البلدية تأجلت، والحراك الثقافي فقد زخمه، وحتى هامش الانفتاح النسبي في الاعلام أصبح أضيق. إذاَ مشكلة الركود عامة وليست خاصة بالجمعية. وهذه حالة يؤسف لها حقاً.
أسباب التجاوزات
هل اتضح لكم سبب أو أسباب حدوث التجاوزات للحقوق، من واقع عمل الجمعية؟
نستطيع القول أن هناك عدة أسباب لحدوث الانتهاكات، تتمثل أولاً، في غياب التشريعات التي توفر ضمانات واضحة تحمي الحقوق. وثانيا، في حال وجود بعض هذه الضمانات، يحدث الإنتهاك بسبب الجهل بها، سواء من قبل يتعرض حقه للانتهاك، أم من يمارس الانتهاك. وثالثاً، تحدث الانتهاكات نتيجة محاولة البعض ممارسة حقوق لهم، نصت عليها قواعد شرعية أو قانونية، ضمن المواثيق الدولية، التي انضمت لها المملكة، وأصبحت جزء من منظومتها التشريعية، إلا أن الممارسين للسلطة يجهلون هذه الحقيقة. والسبب الرابع، ويعد الأهم للكثير من الانتهاكات التي يتعرض لها الافراد في المملكة، يتعلق بسوء ورداءة الأداء في الكثير من الأجهزة الحكومية، وعدم وجود مؤسسات رقابية فاعلة، وهذا ما يفسر حالات الفساد والتعامل السلبي مع الأفراد، مواطنين ومقيمين، عند مطالبتهم بأبسط حقوقهم.
المعوقات
هناك معوقات كثيرة، تحد من نشاط الجمعيات والهيئات المدافعة عن حقوق الإنسان، في كثير الدول. ما هي المعوقات الخاصة بالمملكة، على وجه التحديد؟
كثيرة هي المعوقات، و لكن أبرزها عدم وجود نصوص تشريعية دقيقة، تضمن الحقوق. نعم الإسلام يعد المرجع الأول لنا في المملكة، في مسائل حقوق الإنسان، والشريعة الإسلامية غنية بالتوجيهات التي تحفظ للإنسان كرامته و حقوقه. كما أن المملكة طرف في جملة من الاتفاقيات الدولية والإقليمية، المعنية بحقوق الإنسان، ولكن يبقى هناك فراغ تشريعي واضح. النظام الأساسي للحكم اشتمل على نص عام، يشير إلى أن الدولة تحمي حقوق الإنسان، بالإضافة إلى نصوص تتضمن بعض الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية، كالحق في العلاج، والتعليم، ونحوه. و كذلك نص صريح حول حرمة المساكن والمراسلات. فيما عدا ذلك لا توجد أي نصوص، تتناول بشكل صريح حقوق الإنسان، من زاوية شمولية.
بين الجمعية والهيئة
يرى البعض أن هناك ازدواجية في العمل، بين “الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان”، و”هيئة حقوق الإنسان”. كيف تعالجون مثل ذلك إن وجد، وما مدى صحة حجيث البعض عن محاولة جهات حكومية، تحييد الجمعية، والاكتفاء بالتعامل مع الهيئة؟
من يقول بالازدواجية، ينطلق من افتراض أن مؤسسة واحدة كافية لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، وهذا غير صحيح، فالمجال واسع والمهام كثيرة، وتتطلب وجود أكثر من جهة. المسألة الثانية، هي أن الجمعية جهة حقوقية أهلية، تقوم على أسس تطوعية، وجميع أعضائها غير متفرغين، في حين أن هيئة حقوق الإنسان تعد جهازا حكوميا مرتبطة بمجلس الوزراء، وموظفوها خاضعون لنظام الخدمة المدنية. ولعل المهمة الأبرز للهيئة، تتمثل في تقديم الموقف الرسمي للمملكة في مجال حقوق الإنسان، من خلال إعداد التقارير و مناقشتها في المحافل الدولية، والرد على الانتقادات التي توجه للمملكة في هذا الشأن. فيما الجمعية معنية فقط برصد وتوثيق ومعالجة الانتهاكات والتجاوزات، ومراقبة كافة الأجهزة من زاوية حقوقية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، والمساهمة في اقتراح مشاريع أنظمة تعزز حقوق الإنسان في المملكة.
أما بخصوص عدم التعامل مع الجمعية، من قبل بعض الجهات الحكومية، فهذا غير صحيح، فكافة الجهات تتعامل مع الجمعية، وإن كان بعضها يتردد في قبول الدور الرقابي للجمعية. من جهة أخرى، كان هناك محاولات لتحييد الجمعية، وتقييد عملها، ولكن موقف خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز كان واضحا و جازما، حيث أكد في توجيهه الكريم رقم ( 4616/م ب) على الاستقلالية التامة للجمعية. و من زاوية سياسية أظن أن هذا التوجيه يمثل وثيقة تاريخية مهمة، في التطور السياسي للمملكة، ويعبر عن رؤية واعية بدور مؤسسات المجتمع المدني.
الإخفاقات
برأيك، ما هي أبرز الملفات التي أخفقت جمعية وهيئة حقوق الإنسان، عن تلمس الحل لها؟
الملفات التي أخفقت الجمعية والهيئة فيها، أرى أنها في الغالب تتعلق بالحقوق المدنية والسياسية. وللحق أقول، إننا لا نزال في البدايات، ولم نتحرك كثيراً بسبب حساسية البعض، رغم أنها تدخل في صلب المشروع الإصلاحي للملك عبد الله.
زيارة السجون
تقارير الجمعية والهيئة، تشير إلى معالجة حالات كثيرة في السجون العامة، ماذا عن السجون ذات الطابع الأمني؟
حتى هذه اللحظة لم نتمكن سوى من زيارة السجون العامة، وقدمنا تقارير مفصلة عن أحوالها. أما بالنسبة لسجون المباحث، فتمت زيارة واحدة فقط، لمقابلة المعتقلين السعوديين العائدين من المعتقل الامريكي “جوانتانامو”، وطلبنا زيارتها عدة مرات، وموعودون بذلك. وبالمناسبة، قد تستغرب أن القليل من المؤسسات الحقوقية الأهلية في الوطن العربي، يتاح لها فرصة زيارة السجون، حتى العامة منها، ونحن نقدر لوزارة الداخلية قبولها ذلك. كما أن المديرية العامة للسجون أصبحت ترحب بالزيارات، بعد أن كانت مترددة، حيث وجدت في تقارير الجمعية عوناً لها فمعظم ما تم رصده من ملاحظات، بشأن السجناء، يتعلق بجهات غير إدارة السجون، ومنها وزارة “العدل”، من حيث التأخر في نظر القضايا، وكذلك وزارة “المالية”، التي تتحمل مسؤولية كبيرة في تردي أحوال السجون وتكدسها، بسبب عدم تخصيص الأموال اللازمة، لبناء إصلاحيات حديثة.

القضايا الملحة
ما هي القضايا الملحة، التي تعتقدون أنها تحتاج لتدخل من خادم الحرمين، لعلاجها جذرياً؟
الملك حفظه الله دعم الجمعية بشكل قوي، حين أكد في توجيهه للأجهزة الحكومية على استقلاليتها، وهذه الاستقلالية تعد مصدر قوتها، وأكد على ضرورة المحافظة عليها. أما بالنسبة للوضع الحقوقي بشكل عام، فأظن أن من أهم المسائل التي تتطلب تدخله حفظه الله، هي تضمين النظام الأساسي للحكم مواد تتناول بشكل مباشر حقوق المواطن و مسؤولياته، وإفرادها في باب منفرد في النظام. كما يمكن دعم حقوق الإنسان من خلال تعزيز مبدئي المراقبة و المساءلة، ودعم المؤسسات المعنية بهذه الأدوار، وهي مجلس الشورى، وكذلك الأجهزة الرقابية، وفي مقدمتها ديوان المراقبة العامة، وهيئة الرقابة والتحقيق. فبدون المساءلة والمحاسبة لكل من تولى منصباً عاماً مهما علا، فمن الصعب ضمان الكفاءة والفاعلية، واحترام حقوق الإنسان.
التجربة الحقوقية
إلى أي مدى تأثرت أفكارك حول المجتمع المحلي، بعد انخراطك في معالجة موضوعات حقوق الإنسان؟
لا شك أن سبع سنوات من العمل في أول جمعية حقوقية في المملكة، يعد تجربة ثرية، أكدت الكثير مما لدي من تصورات، كما أنها كشفت مسائل لم تكون واضحة لي، وفي مقدمتها حجم العنف الأسري في المجتمع السعودي.
تجربة العمل في مؤسسة حقوقية أكدت لي، ما سبق أن عرفته كمتخصص في العلوم السياسية، من أن المجتمع السعودي قطع شوطاً كبيراً في مجال التنمية التعليمة والاجتماعية والثقافية، بدرجة غيرت من الثقافة السياسية لدى المواطن، من الحالة التي توصف بالتبعية، إلى حالة المشاركة والبحث عن دور، وهو ما يستوجب حدوث تحولات في البنى السياسية والإدارية، تنسجم مع تلك التغيرات، بما يحقق التوازن، ويحفظ الاستقرار. كما ظهر لي كذلك، انقسام النخب المثقفة من مسألة حقوق الإنسان، فمن جانب هناك النخب المحافظة، التي تقف موقفاً سلبياَ من هذه الحقوق، فتنظر إليها كترجمة لمنظومة فكرية غربية، يراد تطويع المجتمع السعودي لها، ومن ثم تدعوا إلى الوقوف ضدها ورفضها، والاكتفاء بمجرد ترديد المقولة الجامدة، من أن الإسلام سبق الغرب في إقرار حقوق الإنسان. هذه حقيقة لا شك فيها، ولكن هؤلاء لم يسألوا أنفسهم كيف نترجم هذه الحقيقة لواقعنا اليوم؟ هذا ما تقف هذه النخب المحافظة عاجزة أمامه. من جانب آخر، نجد أن ما يوصف بالنخب “الليبرالية” تتبنى موقفاً اختزاليا لحقوق الإنسان، حيث تقصرها على الحقوق المدنية والسياسية فقط، وتعيب على الجمعية أي تحرك في مجال الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وهذا الموقف الاختزالي، هو ما كانت الدول الغربية تتمسك به قبل عقود، في صراعها الأيدلوجي مع الاتحاد السوفيتي، و لكنها تجاوزته لاحقاً، وأصبحت تنظر لحقوق الإنسان من زاوية شمولية، وهذا ما نأخذ به في الجمعية.
الوعي بالحقوق
هل تعتقد أن هناك وعي بحقوق الإنسان، من الموظفين في أجهزة الدولة، ومن الأفراد المنتهكة حقوقهم؟
لا شك أن هناك معرفة بمسألة حقوق الإنسان بشكل عام، وقد زادت درجة الوعي بها في السنوات الأخيرة، و لكن حين نتحدث عن التفاصيل، فالصورة لا تبدو واضحة كما ينبغي. فمن واقع ما نرصد، وما يرد لنا من شكاوى، هناك من الأفراد من يعتقد أن أي مشكلة تواجهه، تعد قضية حقوقية، ويتوقع من الجمعية التدخل فيها، وأظن أن السبب في ذلك يعود لانقطاع المجتمع السعودي عن مفهوم حقوق الإنسان لفترة طويلة، بسبب موقف سلبي منها، باعتبارها فكرة غربية. إضافة إلى أن هناك عجز في المؤسسات التي يمكن للأفراد التواصل معها، لمعالجة قضاياهم. بعض هذه المؤسسات موجودة بالفعل، ولكنها ضعيفة الفعالية، وتحكمها ثقافة بيروقراطية شديدة، تجعل الإنسان لا يفكر في الاستعانة بها أصلا، وتصبح مصدراً لزيادة معاناته، بدلاً من أن تكون عوناً له. وبالنسبة للكثير من الأجهزة الحكومية، فأظن أنها تفتقد للحس الحقوقي، وسبق أن اقترحت أن يكون احترام حقوق الإنسان وضمانها، مؤشراَ و معياراً لكفاءة الأداء، وقياس الفاعلية في الأجهزة الحكومية.

http://www.alwatan.com.sa/Dialogue/News_Detail.aspx?ArticleID=23682&CategoryID=4

الخوف من الاعلام

صحيفة الوطن السعودية
الاثنين 27 ربيع الآخر 1431ـ 12 أبريل 2010 العدد 3482 ـ السنة العاشرة

الخوف من الإعلام

صالح محمد الخثلان

تتعرض وسائل الإعلام-الصحف تحديداً- هذه الأيام لما يبدو أنه حملة منظمة من عدد من الأجهزة الحكومية تعبر عن قلقها وانزعاجها من الشفافية التي بدأنا نلحظها في تغطية الإعلام لهذه الأجهزة وكشفه لأوجه القصور ورداءة الأداء فيها، سواء كان ذلك من خلال الأخبار أو التحقيقات أو مقالات كتاب الأعمدة. هذه الحملة التي يسعى القائمون عليها إلى إجهاض الشفافية والعودة بالإعلام إلى حالة الصمت التي كان يعيشها أجزم أنها خاسرة، فلا رجعة للوراء وذلك لأسباب من أبرزها؛ أن الانفتاح الإعلامي أصبح ركيزة أساسية في مشروع الملك عبدالله الإصلاحي، إضافة إلى أن طابع العصر و ثورة الاتصالات والمعلومات مكَنت المجتمع بأفراده وشرائحه المختلفة من التحرك الواثق للحصول على المعلومة والمشاركة في صناعتها ونشرها ومناقشتها علانية دون تحفظ.
الحملة المضادة للإعلام بدأت- للأسف- من المكان غيرالمتوقع على الإطلاق حين دعا أحد أعضاء مجلس الشورى (وهو الجهة التي يفترض أن تكون أكثر حرصاً على الانفتاح الإعلامي) إلى منع الصحفيين من حضور جلسات مجلس الشورى لأن “معظم الصحفيين ينقلون عكس الواقع وينشرون أخبارا غير صحيحة” على حد تعبيره، والغريب أن دعوة المنع هذه مرت دون أي تعليق من الصحفيين أو كتاب الأعمدة.
الحملة المضادة للإعلام تستخدم وسائل بعضها “ودي” ومنه التواصل مع الإعلاميين وتوثيق العلاقة معهم والسعي إلى احتوائهم وكسبهم، وإقامة الندوات التي تبدو في ظاهرها أنها تهدف لتصحيح الصورة وتطوير العلاقة بين الإعلام والجهاز الحكومي المنظم للندوة، ولكنها في حقيقتها محاولة لتأليب الرأي العام والمسؤولين على الإعلاميين من خلال اتهامهم بالمبالغة والاستعجال وعدم التثبت و تشويه الحقائق .
أجهزة حكومية أخرى لا تكتفي بهذا الأسلوب بل تسعى إلى تمرير فكرة “ميثاق شرف” بينها وبين الإعلام، وهذه محاولة أخرى ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب فهي في حقيقتها محاولة لتقييد الإعلام وتجريده من دوره الرقابي، ولذلك على وسائل الإعلام الحذر من هذه الدعوات لتوقيع مواثيق، فالإعلامي يكفيه الاحتكام إلى ضميره وشعوره بالمسؤولية تجاه وطنه ومواطنيه وشرف الوظيفة يغنيه عن أية مواثيق “للضبط”.
بعض الأجهزة لا تكتفي بهذه المساعي الودية بل تصل حملتها على الإعلام والإعلاميين إلى مستويات خطيرة حين تعمل على توجيه الاتهام للإعلام بالإساءة للمملكة وتشويه صورتها في الخارج والتشكيك في مؤسساتها ونهجها والانتقاص من هيبتها وتأليب قوى أجنبية ضدها. هؤلاء يسعون بهذا الأسلوب إلى تأليب صاحب القرار على الإعلام لعله يستجيب لمطلبهم ويتخذ قراراً يحد من الحرية النسبية التي يتمتع بها، وهذا مطلب لا أظنه سيتحقق حيث يدرك صاحب القرار الإضافة الاستراتيجية التي توفرها وسائل الإعلام لمشروع الإصلاح الذي قد يتعثر في حال غياب الرقيب الإعلامي.
هؤلاء المسؤولون لا يدركون أنهم بهذا الأسلوب يسيئون للمملكة حين يزعمون أن مكانتها وهيبة مؤسساتها في خطر بسبب الانفتاح الإعلامي، وكأن المملكة كيان صغير مجهول من دون تاريخ وحضور قوي على الساحة الدولية ودور قيادي بارز. المملكة يا سادة أكبر من أن تمس مكانتها بخبر صحفي “بالغ” في توصيف ممارسة رديئة لأحد الأجهزة الحكومية، وهي كذلك أكبر وأكثر متانة واستقراراً، وهيبتها لا يمكن أن ينتقص منها كاتب عمود تجرأ على كشف المستور في ممارسات أحد المسؤولين التنفيذيين. الذي ينتقص من هيبة مؤسسات الدولة ليس الخبر أو العمود الصحفي بل هو استمرار بعض الأجهزة الحكومية في ممارساتها المعيبة دون محاسبة، والأحكام المكتسبة القطعية التي لا تنفذ، وأولئك الذين يستمرون في إساءة استخدام السلطة وتوظيفها لأغراض خاصة دون اكتراث لجهة رقابية.
وفي هذا الإطار قد أقلقني حقاً ما سمعته خلال حضوري قبل أيام أحد المنتديات الثقافية المشهورة في مدينة الرياض، ولصاحبه مني خالص التقدير والاحترام، حيث تحدث أحد المسؤولين الذين نعدهم من رموز مشروع الملك للإصلاح، وهو شخص لا يُمل حديثه وتتمنى ألا يسكت وذلك لسعة اطلاعه وعمق معرفته وحلاوة أسلوبه، وله دور مشهود في تطوير الجهاز الذي يقوم عليه. ولكن وفي تلك الليلة وفي آخر حديثه تمنيت مقاطعته حين أسهب في الحديث عن الإعلام بلغة “تحذير” قاسية موجهة للإعلاميين تضمنت كلاماً عن المزايدة والإساءة للوطن والانتقاص من هيبة مؤسساته، وشيئاً فشيئاً ارتفعت نبرة الحديث وتحول إلى خطاب تحذيري للإعلاميين بشكل غير متوقع أو مبرر لدرجة أزعجت بعض الحاضرين وجعلتهم يعيدون التفكير في ما قاله في بداية حديثه. وما زلت حتى هذه اللحظة في حيرة من ذلك الهجوم المفاجئ على الإعلام حيث تبقى لصاحبه مكانة وتقدير عند الجميع، وقد نعذره مستقبلاً حين نعرف ما الذي دفعه لذلك الخطاب الساخن في ذلك المساء الجميل.
القائمون على الحملة المضادة للإعلام يحرصون على كسب وزارة الثقافة والإعلام لصفهم كونها الجهة المسؤولة عن تنفيذ نظام المطبوعات والنشر ويعملون على دفعها لاتخاذ إجراءات تحد من مستوى النقد والجراءة في الطرح في وسائل الإعلام. هؤلاء للأسف اخطأوا قراءة تصريحات معالي وزير الثقافة والإعلام حول نظام المطبوعات والنشر والتي جاءت في سياق أحاديثه مع المثقفين والإعلاميين حيث كشف من خلال تلك التصريحات عن رغبة في تطوير النظام بهدف مأسسة الانفتاح الإعلامي من أجل المحافظة عليه وضمان استمراره، وليس للحد منه كما يتوهمون.
الحملة المضادة للانفتاح الإعلامي كانت في بدايتها ودية ولا بأس في ذلك فمن حق أي جهاز حكومي تعرض له صحفي أو صحفية بالنقد أن يتواصل عبر إدارة العلاقات العامة معهم لتوضيح “الحقائق” وتزويدهم بما قد يكون غاب من معلومات. لكن ما يحدث مؤخراً يدعو لليقظة والتنبه سواء من الصحفيين أو العاملين في وسائل الإعلام كافة أو حتى من المواطنين بشكل عام؛ الذين أصبحوا يجدون في الإعلام الشريك الذي يستطيعون اللجوء إليه بعد الله سبحانه للبوح بمعاناتهم مع أجهزة حكومية ضيعت حقوقهم، وتهاونت في القيام بمسؤولياتها، وأصبحت تعاملهم مجرد أرقام معاملات لا أكثر، دون اعتبار لمواطنتهم التي تمنحهم حقوقاً نص عليها النظام الأساسي للحكم، أو حتى مجرد التعامل معهم من منطلق إنساني. وهذا ما يفسر حالة التذمر الكبيرة التي يحملها المواطنون تجاه بعض الأجهزة الحكومية وأصبحت الصحف الوسيلة الأولى التي يستطيعون من خلالها التحدث بصوت مرتفع لعل أحداً يسمع عن معاناتهم وينصفهم.
إذا المواطن هو المعني الأول بالشفافية والانفتاح الإعلامي النسبي ومن ثم فمصلحته الاستراتيجية أن يدافع عنها، وألا يستجيب لهذه الحملة المضادة والاتهامات للصحافة بالمبالغة والإساءة للوطن. إن دور الإعلام الرقابي يزداد يوماً بعد يوم خاصة في ظل هذه المشروعات الضخمة التي خصصت لها الدولة مليارات الريالات وفي ظل ضعف الأجهزة الرقابية وتمنُع مجلس الشورى عن القيام بدور رقابي حقيقي.
لذلك أتوجه بدعوة لأصحاب الحملة المضادة للانفتاح الإعلامي، إن كانوا حقاً حريصين على المواطن، وعلى المصلحة الوطنية، وعلى نجاح مشروع الملك، بأن عليهم إعادة النظر في موقفهم السلبي من الإعلام فهو شريك لهم وليس عدوا. ولا أظنهم يجهلون أن الكثير من الإصلاحات في أجهزتهم ذاتها لم تكن لتتحقق لولا شفافية الإعلام وجرأته في كشف التجاوزات والتردي في بعض الأجهزة الحكومية.
أخيراً أظن أن هيئة الصحفيين مطالبة بالتصدي لحملات التشكيك في الإعلام والاتهامات التي يتعرض لها والوقوف في وجه محاولات تقييده فهو ركن أساس من مشروع الإصلاح السياسي للملك حفظه الله.

حقوق الطبع © محفوظة لصحيفة الوطن 2007

حقوق الإنسان تتحرك بـ«بطء»…

الخثلان لـ«الحياة»: حقوق الإنسان تتحرك بـ«بطء»… والانفتاح الإعلامي «حسّن» صورة السعودية
الجمعة, 25 يونيو 2010

الرياض – أحمد غلاب
أكد نائب رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان المتحدث باسمها الدكتور صالح الخثلان أن بيئة حقوق الإنسان في السعودية بدأت تتحسن عما كانت عليه لكن ببطء شديد، معتبراً أن الانفتاح الإعلامي خلال الأعوام الأخيرة أهم تغير في المجتمع السعودي وكان له اثر ايجابي في تحسين صورة المملكة.

وتحدث في حوار مع «الحياة» عن عوائق من أبرزها عدم وجود مدونة محددة خاصة بالحقوق تكون مقياساً لكشف التجاوزات والانتهاكات، وعدم ادراك قيادات أجهزة حكومية كثيرة محورية ومركزية حقوق الإنسان في مشروع خادم الحرمين الشريفين للإصلاح، وهو ما يفسر استمرارهم في التعامل مع القضايا الحقوقية من زاوية إدارية تقليدية صرفة. وتابع: «بعض الأجهزة الحكومية تتعامل مع الجمعية بطريقة إدارية بيروقراطية وما نتمناه منهم هو أنسنة تعاملاتهم».

ولفت إلى أن أصعب القضايا التي تتابعها الجمعية منذ تأسيسها هي الموقوفون بسبب قضايا أمنية، مشيراً إلى أن الجمعية تسعى إلى الوصول إلى معادلة توفق فيها بين مواجهة الأعمال الإرهابية وتفكيك خلايا التطرف من جهة والحفاظ على حقوق الإنسان وكرامته من جهة أخرى.

وأكد الخثلان أن مشكلة الفقر أصعب من أن تعالجها وزارة الشؤون الاجتماعية وحدها، متوقعاً أن تجد الوزارة نفسها أنهكت يوماً ما جراء ذلك. وفي ما يأتي نص الحوار:

بعد مرور 6 أعوام على تأسيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، كيف تقوّمون وضع حقوق الإنسان في المملكة؟

- الوضع الحقوقي في المملكة بدأ يتحسن، لكن ببطء شديد، وأفضل وأجمل ملامحه يتمثل في حرص خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز على جعل حقوق الإنسان في مقدمة مشروعه الإصلاحي، وهذا يتأكد من خلال دعمه المستمر للجمعية والهيئة. لكن العوائق كثيرة ومن أبرزها عدم وجود مدونة محددة خاصة بالحقوق على رغم أن القواعد الشرعية والنصوص الحامية للحقوق كثيرة، فالشريعة الإسلامية غنية بهذه النصوص، كما أن الأنظمة المحلية لا تخلو منها، إضافة إلى الاتفاقات الدولية التي صادقت عليها المملكة، ولكن لا تزال هناك حاجة لمدونة خاصة بالحقوق يعرف الناس بها حقوقهم بشكل لا لبس فيه، وتكون مقياساً لكشف التجاوزات والانتهاكات.

ومن العوائق أيضاً عدم إدراك القيادات في الكثير من الأجهزة الحكومية محورية ومركزية حقوق الإنسان في مشروع الملك للإصلاح، وهذا ما يفسر استمرارهم في التعامل مع القضايا الحقوقية من زاوية إدارية تقليدية صرفة.

> لكن ما مدى انتشار الثقافة الحقوقية في المجتمع السعودي؟

- هناك ضعف ملحوظ في الثقافة الحقوقية، وهذا ما لمسناه من خلال ما يصل الجمعية من شكاوى، كما تأكد ذلك من خلال دراسة تفصيلية عن ثقافة حقوق الإنسان في المملكة أعدتها الجمعية بالتعاون مع مركز سجيني للدراسات، ومرد هذا الضعف في نظري تغييب حقوق الإنسان من ثقافتنا المحلية لعقود بل وحتى تشويهها من بعض الفئات التي ترى فيها مشروعاً تغريبياً وتتعامل معها من خلال رؤية تصادمية مع أطراف أخرى في المجتمع. ونحن نقول لهذه الفئات إن حقوق الإنسان يجب أن تكون خارج الصراعات الثقافية الدائرة اليوم في المجتمع فهي قاسم مشترك للجميع. وهذا الموقف المشكك تجاه حقوق الإنسان يساعد في استمرار التجاوزات والانتهاكات، إذ يعطي الجهات الحكومية مبرراً لتجاهل الحقوق بحجة أنها مشروع تغريبي، وأظن أن قيادات تلك الفئات الثقافية تتحمل جزءاً من مسؤولية استمرار التجاوزات بسبب موقفها المشكك.

> شهدت الأعوام الأخيرة تغيراً ملموساً في التعاطي الإعلامي مع قضايا حقوق الإنسان في المملكة داخلياً، بحكم اختصاصكم، هل انعكس ذلك على صورة وضع حقوق الإنسان في وسائل الإعلام الأجنبية؟

- نعم، الانفتاح الإعلامي الذي شهدناه خلال الأعوام الأخيرة يعد أهم تغير في المجتمع السعودي، وكان له اثر ايجابي في تحسين صورة المملكة، ولا تنسى أن المملكة كانت يوماً ما تسمى «مملكة الصمت» بسبب الانغلاق الإعلامي وما حدث غير من الصورة السلبية بشكل كبير. وبالطبع فإن زيادة هامش الحرية الإعلامية يجب ألا يكون هدفها تحسين الصورة، بل يجب أن ينظر إليها كمطلب ملح. ودور الإعلام مهم في الإصلاح سواء السياسي أو الاقتصادي أو الإداري أو الاجتماعي واجزم أن الإصلاح لا يمكن أن ينجح من دون إعلام حر يمارس دوره الرقابي والضاغط على الأجهزة الحكومية لتحسين أدائها.

من جانب آخر، فإن الانفتاح الإعلامي زاد من الاهتمام الخارجي بالمملكة وأصبحت الكثير من القضايا المحلية محل اهتمام الآخرين، وعلينا ألا نتحسس ونتوجس كثيراً من ذلك فهذه إحدى تبعات العولمة التي «ميّعت» الحدود الفاصلة بين الداخل والخارج، كما أن هذا الاهتمام المتزايد بالمملكة وشؤونها الداخلية يعكس مكانتها وأهميتها الدولية؛ فالرأي العام العالمي لا ينشغل بالدول الضعيفة بل يوجه اهتمامه إلى الدول المهمة.

> كيف تقيِّمون تفاعل الجهات الحكومية مع الجمعية؟

- في تحسن مستمر، خصوصاً بعد نشر التقرير الثاني الذي تناول بكل شفافية واقع حقوق الإنسان في المملكة وكشف للمرة الأولى ومن خلال جمعية أهلية سعودية تجاوزات عدد من هذه الجهات وممارساتها التي تنتهك حقوق المواطنين والمقيمين وبعض الجهات الحكومية غيرت من موقفها المتحفظ تجاه الجمعية وأصبحت تجد في انتقاداتها دعماً وعوناً لها للحصول على الإمكانات المادية والبشرية وكذلك الصلاحيات التي تمكنها من القيام بمهامها، إذ وجدنا أن ضعف وسوء الأداء ناتج في بعض الأحيان من أسباب تتعلق بضعف الإمكانات ومحدودية الصلاحيات.

ولكن، كما أشرت لا يزال كثير من الأجهزة الحكومية يتعامل مع الشأن الحقوقي بطريقة إدارية بيروقراطية تقليدية وهذا ما يفسر استمرار التجاوزات، لذلك نتوجه دائماً بدعوة للقيادات في الأجهزة الحكومية كافة أن تبدأ مشروع «أنسنة» التعاملات الحكومية وأن تفكر ملياً في كيفية الإسهام في تحقيق رؤية الملك في حماية وصيانة وتعزيز حقوق الإنسان. وأقول لكل وزير ومسؤول إن عليكم الخروج عن أطر التفكير التقليدية وأن تسألوا أنفسكم ما الذي أضفتموه لتعزيز هذه الحقوق لإبراء ذممكم أمام الله سبحانه وتعالى ثم أمام القيادة التي جعلت حماية الحقوق هدفاً استراتيجياً كما جاء في الخطة الخمسية التاسعة.

> ما أصعب القضايا التي تتابعها وتتعامل معها الجمعية؟

- في الحقيقة تعد قضية الموقوفين على ذمة قضايا أمنية من أصعب الملفات التي تواجه الجمعية منذ تأسيسها لخطورة وحساسية هذا الموضوع، ونحاول الوصول إلى معادلة توفق بين مواجهة الأعمال الإرهابية وتفكيك خلايا التطرف من جهة، والحفاظ على حقوق الإنسان وكرامته من جهة أخرى. وتثمن الجمعية عالياً للمسؤولين الأمنيين الجهود الكبيرة التي يبذلونها للحفاظ على أمن الوطن ونقف احتراماً لهم بدءاً من النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز، ومروراً بالعاملين في القطاعات الأمنية كافة وصولاً إلى الجنود في الميدان الذين يخاطرون بأرواحهم في سبيل المحافظة على أمن المواطن، لكن ملاحظتنا تتمثل في أن بعض الموقوفين في هذه القضايا لا يزالون في مرحلة الاتهام وينطبق عليهم المبدأ المعروف «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، ولذلك نطالب بتطبيق نظام الإجراءات الجزائية الذي حدد لهم حقوقاً أثناء فترة الاتهام ومنها أن التوقيف يجب ألا يتجاوز 6 أشهر يحال بعدها المتهم إلى القضاء أو يفرج عنه.

ونحن في الجمعية نطالب بأن يكون التوقيف في المناطق نفسها التي يقيم فيها أهالي الموقوفين لتسهيل زيارتهم، خصوصاً أن كثيراً من أقارب الموقوفين غير قادرين على السفر سواء لأسباب مادية أو صحية، وعدد من أهالي الموقوفين يستمرون في الاتصال بالجمعية مطالبين بإحالة أبنائهم للشرع ونحن على يقين أن الجميع سيرضى بحكم الشرع. والمشكلة في أن يستمر إيقاف الأفراد من دون حكم فهذا بلا شك تجاوز للنظام ويولد إحساساً مؤلماً.

> ما مدى أهمية العمل الاجتماعي الذي تقدمه وزارة الشؤون الاجتماعية لخفض نسبة الفقر في نظركم؟

- وزارة الشؤون الاجتماعية تقوم بجهود كبيرة ومشكورة لمعالجة الفقر وأضافت أخيراً عدداً من البرامج التي تحاول من خلالها مساعدة الفقراء من المواطنين والجمعية الوطنية لحقوق الإنسان تقدر لها ذلك، لكن على رغم ذلك تبقى مشكلة الفقر أصعب من أن تعالجها الوزارة وحدها، وأظن أن الوزارة ستجد نفسها ذات يوم أنهكت.

الفقر مشكلة تتسبب فيها جهات عدة، إلا أن الوزارة حمُلت وحدها مسؤولية التصدي لها، فالفقر مرتبط بالبطالة وكذلك بتردي الرواتب والدخل وضعف الخدمات الصحية والتعليمية. والمطلوب تغير جذري في التعامل مع قضية الفقر والأخذ بمنظور حقوقي ينطلق من حق الإنسان في العيش الكريم، وبذلك تتبين مسؤوليات الجهات كافة المرتبطة بحق المواطن في التمتع بهذه الحقوق. أدعو وزارة الشؤون الاجتماعية أن تعلن صراحة مسؤولية الأجهزة الحكومية كافة عن اتساع مساحة الفقر في المملكة وتدعوها للمشاركة في ضمان العيش الكريم للإنسان.

> كيف ترون تعامل مجلس الشورى مع الأحداث الاجتماعية المهمة؟

الحقيقة أن مجلس الشورى يعمل في حدود الصلاحيات التي أتيحت له، وهو ملتزم بهذا الدور بشكل مثالي على رغم محاولات بعض أعضائه الخروج عن هذه الحدود والتحرك من منطلق تصور برلماني لدور المجلس يمارس الرقابة والمساءلة والتمثيل الشعبي. وللأسف تبقى هذه محاولات فردية محدودة.

والتجربة التاريخية تظهر أن المجالس التشريعية لا تتمتع بكامل الصلاحيات منذ انطلاقتها ولكنها تسعى إلى توسيعها وإضافة صلاحيات بناء على ما يستجد من قضايا ومتطلبات وتستفيد من كل فرصة تتاح لها لتوسيع وظائفها مما يقنع صاحب القرار لاحقاً بضرورة الاعتراف الرسمي بهذه الأدوار الجديدة وإعادة صياغة النظام لإعطائها الصفة النظامية وبهذه الطريقة تتوسع صلاحيات المجلس، بدلاً من الاكتفاء بالانتظار لقرار قد يأتي أو لا يأتي يمنح المجلس صلاحيات أكبر.

وعلى المجلس أن يستثمر كل فرصة ويدخل بقوة ومن دون تردد في قضايا ومشكلات المجتمع وهموم المواطنين وألا يستمر في تقييد دوره بحجة أن نظامه لا يسمح.

لماذا تفشل مشاريع الإصلاح في الدول العربية؟

صحيفة الوطن السعودية
الجمعه 20 جمادى الأولى 1430 ـ 15 مايو 2009 العدد 3150 ـ السنة التاسعة

لماذا تفشل مشاريع الإصلاح في الدول العربية؟

صالح محمد الخثلان

المراقب للمشهد السياسي العربي الراهن لابد أن يلحظ بقاء الأوضاع السياسية على حالها رغم مبادرات الإصلاح التي أعلن عنها قبل سنوات، والتي لم تنجح في تحقيق أي تطور إيجابي سواء باتجاه رفع كفاءة النظام السياسي للقيام بوظائفه المختلفة أو توسيع المشاركة الشعبية بما ينعكس إيجابا على قبول النظام ودعمه ومن ثم تعزيز شرعيته. ولاشك أن تفسير هذا الجمود في الحياة السياسية يختلف من دولة لأخرى، إلا أن هناك من أوجه الشبه بين الأنظمة السياسية العربية ما يمكن من خلاله التعرف على جذور مشكلة الفشل التي تكاد تكون قاسماً مشتركاً لمبادرات الإصلاح وإن تباينت درجتها. المشكلة هي أن كثيراً من المبادرات افتقدت لشروط الإصلاح التي يمكن تحديدها على النحو التالي: (1) القناعة بضرورة الإصلاح (2) انطلاق الإصلاح من رؤية وليس مجرد رغبة (3) توقيت الإصلاح و(4) التوافق داخل النظام السياسي على مشروع الإصلاح.
لنحاول تطبيق هذه الشروط على مبادرات الإصلاح التي شهدتها بعض الدول العربية دون تحديد فالقصد هو التشخيص وليس الإدانة لعل في ذلك ما يساعد على تطوير مشاريع إصلاح سياسي تخرج الأوضاع السياسية من جمودها وتعالج حالة التأزم في المجتمعات العربية.
الشرط الأول لنجاح الإصلاح قناعة القيادة السياسية بضرورته وإيمانها بأن النظام السياسي الذي تقف على هرمه وصل مرحلة من الضعف سواء من حيث قدرته على القيام بوظائفه وأداء أدواره ومسؤولياته أو من حيث قدرته على المحافظة على شرعيته بين مواطنيه وتعزيزها، وبدون هذه القناعة فأي مبادرة إصلاح ستكون محدودة النتائج ودون قيمة. وبالنظر إلى مبادرات الإصلاح في عدد من الدول العربية نجد أنها افتقدت لهذا الشرط الضروري فكانت مجرد رد فعل لتحولات في البيئة الدولية في محاولة لامتصاص هذه التحولات. ولسنا بحاجة للتفصيل هنا لبيان هذه الحقيقة فيكفي النظر لتوقيت المبادرات للتحقق من دوافعها.
الشرط الثاني لنجاح الإصلاح السياسي يتمثل في ضرورة انطلاقه من رؤية عميقة تحملها القيادة السياسية فمجرد الرغبة في الإصلاح وحسن النوايا وإن كانت مهمة إلا أنها غير كافية بدون وجود رؤية مبنية على إدراك واع لضرورة الإصلاح وكيفية تحقيقه وكذلك متطلبات نجاحه وما يعنيه ذلك من قراءة جيدة للقوى السياسية داخل النظام وخارجة وكذلك القوى الاجتماعية القريبة من النظام وغير القريبة- وفي بعض الأحيان البيئة الخارجية- وكيفية إدارة اللعبة بما يضمن دعم مشروع الإصلاح ويحتوي أسباب مقاومته ومن ثم وضع برنامج واضح للإصلاح قابل للتكيف مع ما يستجد من تغيرات في البيئتين الداخلية والخارجية.
الشرط الثالث لنجاح أي مشروع للإصلاح السياسي يتمثل في اختيار التوقيت المناسب للبدء فيه وتتضح أهمية هذا الشرط خاصة في مشاريع الإصلاح التي تبدأ متأخرة عن وقتها فتتحول إلى مشاريع تخريب بدل إصلاح، ولعل تجربة غورباتشوف الكارثية أفضل شاهد على نتائج الإصلاح حين يتأخر عن وقته.
فليس من الصعب على القائد الفطن أن يدرك أن لحظة إصلاح النظام السياسي للرفع من كفاءته وتجديد مصادر شرعيته قد حانت، فهناك مؤشرات عدة تكشف حاجة النظام للإصلاح وأن بقاء الأوضاع كما هي، أو التأخر في البدء بعملية الإصلاح سيتسببان في دخول النظام في أزمة قد لا يستطيع الخروج منها. وبعض القادة قد يدرك الحاجة لإصلاح النظام مبكراً لكنه لا يستطيع البدء فيه لأسباب تتعلق بالشرط الرابع والأخير لنجاح الإصلاح والمتمثل في ضرورة توافق أقطاب النظام السياسي على الرؤية والبرنامج. فنجاح أي سياسة أو برنامج يتطلب توافق القائمين عليه ويتأكد هذا المطلب في مشروع الإصلاح السياسي الذي لابد أن يترتب عليه تغيرات مهمة في آليات الحكم، إضافة إلى تقديم تنازلات، خاصة إذا كان الهدف من الإصلاح تعزيز شرعية النظام السياسي. ولاشك أنه ليس من السهل توافق القيادة السياسية على هذه الاستحقاقات لمشروع الإصلاح مما يعني ظهور بعض الأطراف الممانعة التي يمكن التعامل معها من خلال التهميش أو حتى الإقصاء لمصلحة الهدف الأكبر المتمثل في تعزيز شرعية النظام بين مواطنيه. ولكن المشكلة تظهر حين يكون عدد هذه الأطراف كبيرا أو حين تكون ممسكة بمواقع مهمة في النظام السياسي مما يمكنها من إعاقة مشروع الإصلاح أو تفريغه من جوهره أو حتى تعطيله. ولتجنب هذا الموقف الممانع فمن الضروري الحرص على التوافق على المشروع الإصلاحي وكسب دعم أكبر عدد من القيادات داخل النظام وهذا لا يتحقق سوى من خلال بدء حوار طويل وشامل وشفاف حول الإصلاح من حيث الحاجة له وطاقته وبرنامجه وكذلك النتائج المحتملة له. فمن خلال هذا الحوار الذي تنحصر المشاركة فيه – في مراحله الأولى – على أهم رموز قيادة النظام السياسي يمكن التعاطي مع الكثير من المخاوف التي قد يثيرها مشروع الإصلاح ومن ثم كسب دعمهم له وضمان التأييد لخطواته.
إن أهم عائق أمام مشاريع الإصلاح السياسي يتمثل في الخوف من نتائجه وتزداد درجة الخوف عند اختزان الذاكرة لتجارب كارثية للإصلاح- التجربة السوفيتية على سبيل المثال. وهذا ما يؤكد الحاجة الضرورية للتوافق على مشروع الإصلاح قبل البدء فيه لطمأنة كافة أركان القيادة السياسية وقبل ذلك إشراكها في تطوير رؤية مشروع الإصلاح وبرنامجه.

التوريث واحدة من المشاكل عدة تعانيها الأنظمة السياسية في الوطن العربي

مشاكل الانظمة السياسية في الوطن العربي لا تقتصر على التوريث فهذه ليست سوى واحدة من كم كبير من المشاكل التي افقدت كثير من هذه الانظمة شرعيتها واصبحت تواجه خطر التغيير الكامل

ما أثبتته تونس – ودحضته – حول التغيير السياسي في العالم العربي ميشيل د

ما أثبتته تونس – ودحضته – حول التغيير السياسي في العالم العربي
ميشيل دن 18 يناير/ كانون الثاني، 2011

http://www.carnegieendowment.org/arb/?lang=ar

تطرح الانتفاضة التونسية تساؤلات كثيرة بحيث إنه من الصعب التركيز فقط على سؤال واحد أو اثنين، بيد أن أحد الجوانب المثيرة للاهتمام في أحداث يناير/كانون الثاني 2011 هو أنها رسّخت وأسقطت في آنٍ العديد من المعطيات المتجذّرة في الحكمة التقليدية حول سبل تحقيق التغيير السياسي في البلدان العربية. فقد أظهرت تونس أن الطفرة في أعداد الشباب التي يتخوّف منها علماء الديموغرافيا ومحلّلون آخرون منذ عقدَين، هي قنبلة سياسية موقوتة. وهي (تونس) دحضت في الوقت نفسه المقولة الرائجة بأنه لا يمكن إطاحة نظام سلطوي إلا في بلد يملك معارضة سياسية متماسكة ذات قيادة قوية.

كانت مشاكل البطالة في صفوف الشباب الشرارة التي أشعلت الانتفاضة التونسية، التي وسرعان ما تحوّلت إلى احتجاجات على الفساد الرسمي وغياب الديموقراطية. منذ مطلع التسعينيات على الأقل، انشغل الباحثون في شؤون المنطقة في دراسة الطفرة في شريحة الشباب العمرية في الشرق الأوسط – وهي بحسب التعريف العام مرحلة تكون فيها نسبة الفئة العمرية 14-25 مرتفعة نسبياً في أوساط السكّان البالغين في بلد معيّن – وما يرافقها من مشاكل بطالة لدى الشباب، وأنظمة تربوية مثقلة، وتأخّر سن الزواج. وبالاستناد إلى التجربة التي عاشتها مناطق أخرى، اعتبر الباحثون انطلاقاً من معطيات منطقية أن الطفرة في أعداد الشباب قد تؤدّي إلى عدم استقرار سياسي في الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، قال الاختصاصي في العلوم الديموغرافية، راجي أسعد، في مقابلة (بالإنجليزية) معه العام 2008 أن “وجود أعداد كبيرة من الشبّان الذين يعانون من العمالة الناقصة والإحباط، ويملكون إمكانية الوصول إلى الأسلحة، يشكّل في معظم الأحيان تربة خصبة للنزاعات الأهلية. وهكذا يمكن أن توفّر الطفرة في أعداد الشباب منافع ديموغرافية هامة، لكن إذا لم يجرِ التعامل معها من خلال السياسات المناسبة، فقد تولّد عدم استقرار سياسياً ونزاعاً أهلياً”.

لكن ربط الطفرة في أعداد الشباب بعدم الاستقرار السياسي أمر، ورؤيتها تتفجّر في شوارع بلد عربي أمر مختلف تماماً. فنقاط التشابه المؤلمة بين تونس وبين بلدان عربية أخرى تستحقّ التوقّف عندها في هذا السياق. في الواقع، نسبة التونسيين الذين تتراوح أعمارهم من 15 إلى 24 عاماً – 21 في المئة عام 2005 – مشابهة إلى حد كبير للنسبة في الجزائر والمغرب وليبيا ومصر والأردن وبلدان عربية أخرى. على الرغم من أن الأرقام ليست موثوقة في معظم الأحيان، إلا أنه ورد في دراسة (بالإنجليزية) من إعداد أسعد وفرزانة رودي-فهيمي عام 2007 أن تقديرات نسبة البطالة في صفوف الشباب في هذه البلدان تتراوح من 20 إلى 40 في المئة، وفضلاً عن ذلك، هناك انتشار للعمالة الناقصة. ولاشك في أن المظالم الأخرى التي يشتكي منها التونسيون – الفساد، انتهاكات حقوق الإنسان، غياب المشاركة السياسية المجدية، القائد الذي تلاعب بقوانين البلاد ودستورها كي يبقى في السلطة جيلاً كاملاً – تتشاطرها شعوب المنطقة على نطاق واسع.

لكن قبل الأحداث الأخيرة في تونس، كانت النظرية السائدة تعتبر أنه حتى بوجود كل تلك العوامل التي تسبّب الاستياء العام، لايستطيع أي شعب عربي أن يطيح حاكماً سلطوياً من دون حركة معارضة متماسكة. هذا ناهيك عن أن المعارضة التونسية كانت بين الأضعف في العالم العربي: إذ لم يؤدِّ أي من الأحزاب المعارضة الصغيرة الثلاثة (الحزب الديموقراطي التقدّمي، وحركة التجديد، والتكتّل الديموقراطي من أجل العمل والحريات) التي وُجِّهت إليها دعوة للانضمام إلى الحكومة الجديدة، ولا حزب النهضة الإسلامي المنفي، دوراً هاماً في الانتفاضة. ومن المؤكّد أنها لم تشكّل جبهة متماسكة تستطيع ممارسة ضغوط على الحكومة، كما أنه ليس لهذه الأحزاب قادة كاريزميون قادرون على إلهام الجماهير. هذا فضلاً عن أن النقابات العمّالية والمهنية وسواها من المنظمات، لم تأخذ على عاتقها الدور التنظيمي. إذن، يبدو أنه بإمكان الشعب أن يمارس ضغوطاً كافية على زعيم عربي سلطوي فيدفعه الى التنحّي من منصبه، حتى ولو كان هذا الشعب يفتقر إلى معارضة متماسكة أو قيادة فاعلة.

لتونس مزاياها الخاصة – شعب ينعم بازدهار وثقافة كافيتَين لتوليد توقّعات عالية لديه، ومساواة بين الجنسَين أكبر منها في بلدان عربية أخرى، وتيار سياسي إسلامي ضعيف نسبياً – التي ساهمت بلا شك في حدوث ثورة الياسمين هناك وليس في أي مكان آخر، وفي طابعها الليبرالي والعلماني اللافت جداً. والمسار الذي ستسلكه تونس الآن ليس واضحاً على الإطلاق، ولايُعرَف ما إذا كانت البلاد ستنتقل بسلاسة من ثورة لم تُهرَق فيها دماء كثيرة إلى نظام سياسي ديموقراطي بكل معنى الكلمة.

مع ذلك، وبغض النظر عما سيحدث بعد الآن، فقد لقّن التونسيون المراقبين ثلاثة دروس على الأقل لاتنسى: أولاً، المظالم الاقتصادية المنتشرة على نطاق واسع مثل بطالة الشباب يمكن أن تتحوّل سريعاً إلى مطالب محدّدة من أجل التغيير السياسي، وثانياً، يمكن أن يحدث هذا حتى في غياب معارضة متماسكة أو قيادة كاريزمية. ولعل الدرس الثالث الذي تقدّمه ثورة الياسمين التونسية سيكون الأكثر ترسخاً في الذاكرة: وأخيراً عندما تحقّق أخيراً التغيير المؤجَّل منذ وقت طويل، كان أمراً مدهشاً أنه لم يتطلّب الكثير من الجهود والوقت.

ميشيل دن رئيسة تحرير نشرة الإصلاح العربي وكبيرة الباحثين في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

لبحرين التطوّر الصعب للسياسات البرلمانية في الخليج غريغ باور 9

البحرين
التطوّر الصعب للسياسات البرلمانية في الخليج
غريغ باور 9 فبراير/شباط، 2011
تبدو آفاق الإصلاح الديمقراطي في دول الخليج وكأنها تزداد بعض الشيء جراء تردد صدى انتفاضتي تونس ومصر حول المنطقة. ولكن التغيير الحقيقي لا يقف على ظهور مؤشرات لسخط شعبي ولكن أيضاً على اخذ المؤسسات التمثيلية في تلك الدول دوراً أكبر في تحدي الحكومات نيابةً عن الشعب. في العقد الماضي، كانت المحاولات الخجولة التي قامت بها دول الخليج في مجال الإصلاح الديموقراطي محط تغطية واسعة، في حين ظلّ دور المؤسسات البرلمانية شبه مغيَّب عن دائرة الاهتمام. تُبيِّن دراسة أوضاع المجالس البرلمانية في ثلاثة بلدان خليجية – الكويت والبحرين وعمان – الامكانيات والصعوبات التي تواجهها السياسات التشاركية في الخليج.

نبدأ مع مجلس الأمة الكويتي الذي لطالما كان الأعلى صوتاً والأكثر حيوية. تأسّس المجلس عام 1963، ووسّع صلاحياته الرسمية تدريجاً وراح يتحدّى الأمير والحكومة أكثر فأكثر. وقد شكّل نموذجاً يُحتذى في نظر عدد كبير من السياسيين في الخليج؛ أما بالنسبة إلى رؤساء الدول، فهو مؤشّر إلى وجوب توخّي الحذر.

تعطّل سير العمل في مجلس الأمة الكويتي مرّتين بسبب حلّه لفترة طويلة (في عامَي 1976 و1986، وفي كل مرة كان يبقى محلولاً زهاء نصف عقد)، وكان السبب الأساسي وراء حلّه ممانعة الأمير لأي توسيع إضافي لتأثير المجلس. وبدا أن تلك الدينامية تتكرّر بين عامَي 2006 و2009، فيما راح مجلس الأمة يضغط للحصول على حق استجواب رئيس الوزراء. وبعد ثلاثة انتخابات في غضون ثلاث سنوات فقط، وجدت المسألة طريقها إلى الحل عندما مثل رئيس الوزراء وأخيراً أمام البرلمان وحُجِبت الثقة عنه، بحسب الأصول، في نهاية عام 2009. المفارقة هي أنه على الرغم من أن مجلس الأمة نجح في توسيع صلاحياته لتحدّي السلطة التنفيذية، إلا أنه يبدو الآن أضعف من ذي قبل. فالحكومة لم توافق على مبدأ استجواب رئيس الوزراء إلا بعد تأكّدها من أنها تملك أصواتاً كافية للفوز.

وفي منعطف غريب للأحداث، يعتبر الأمير الآن، بحسب المعلومات، أنه من شأن حل مجلس الأمة أن يُشكّل انتصاراً للمعارضة. ويبدو المجلس عاجزاً عن محاربة التلاعب الحكومي ببعض أعضائه. وهكذا، ربما يملك مجلس الأمة الكويتي حالياً مزيداً من السلطات لكنه يبدو أقل نفوذاً.

وفي البحرين، ينطلق المجلس الوطني من خلفية سياسية أكثر اضطراباً، حيث تتسبب التشنجات بين الشيعة (حوالى 70 في المئة من سكان البحرين) والنظام السنّي الممثَّل بأسرة آل خليفة الحاكمة، بمراحل من الاضطرابات الأهلية التي تقمعها الدولة. كان عمر مجلس النواب البحريني قصيراً في البداية، فقد امتدّ من 1973 إلى 1975، وبعقب ذلك، حلّ بشكل غير دستوري استمر حتى عام 2002 عندما أعاد الملك حمد إنشاء المجلس في سياق سلسلة من الإجراءات الإصلاحية الموعودة التي هدفت إلى نزع فتيل التشنّجات الاجتماعية. بيد أن البرلمان الجديد كان مجرّد نسخة باهتة عن سلفه، مما شكّل مصدراً للمظالم المستمرّة التي تمحورت حولها الاضطرابات السياسية اللاحقة.

ومنذ عام 2002، يسعى مجلس النواب البحريني جاهداً لتعزيز سلطته الرسمية على حكومة اعتمدت على تكتيكَين اثنين للإبقاء على هيمنتها. يقوم التكتيك الأول على مضايقة الخصوم واضطهادهم، ويبدو أنه على ارتباط مباشر بالدورة الانتخابية. أما التكتيك الثاني فهو التلاعب بالنظام الانتخابي لصالح الحكم. تختلف الدوائر الانتخابية إلى حد كبير في الحجم: تضم الدائرة الأكبر ما يزيد عن 12000 شخص في منطقة ذات غالبية شيعية، في حين أن الدائرة الأصغر – ذات الغالبية السنّية – تضم 500 ناخب فقط. تهدف هذه الخطوات إلى منع الشيعة من الفوز بالغالبية في مجلس النواب؛ ففي انتخابات 2006 و2010، لم يفز الحزب الشيعي الأساسي، الوفاق، سوى بثمانية عشر مقعداً من أصل 40 مقعداً نيابياً.

في المقابل، كان تطوّر مجلس الشورى في عمان هادئاً، حتى من منظار المعايير الخليجية. نظّمت البلاد التي أصبحت عام 1996 آخر دولة تعتمد دستوراً في مجلس التعاون الخليجي، انتخاباتها الشعبية الأولى عام 2003 لاختيار مجلس يفتقر إلى السلطات التشريعية ويقتصر تأثيره بالكامل تقريباً على التنمية الاقتصادية. كان الإقبال على الاقتراع ضئيلاً نسبياً (أقل من 30 في المئة، وفقاً لتقرير البلدان الذي يضعه “مؤشر برتلسمان للتحوّل”)، ولعل السبب هو أن مجلس الشورى أشبه ب”مجلس محلي غير مسيَّس” بحسب الأكاديمي أوزي رابي.

لكن حتى في عمان، أبدى سياسيون ومنظمات أهلية قلقهم في الآونة الأخيرة من أن الحكومة تحاول عمداً تقويض مكانة مجلس الشورى عبر التركيز على عدم فعاليته ورداءة أعضائه عن طريق نشر أخبار في وسائل الإعلام. ومن الحجج التي يجري تداولها أن مجلس الشورى كان أكثر فعالية عندما كان أعضاؤه يُعيَّنون، ويُعلِّلون ذلك بأن هؤلاء الأعضاء كانوا يُختارون على الأقل من الطبقات العليا في المجتمع.

وعلى الرغم من أن المؤسسات البرلمانية في الكويت والبحرين وعمان حقّقت انتصارات من حين لآخر وتحمل ما يشابه بعض الشيء التمثيل الديمقراطي، إلا أنها تعمل جميعها في وجه أنظمة مهيمنة. إلغاء هذه المجالس أو حلّها مستبعد جداً لانه قد يكون من شأن ذلك أن يمنح المعارضة نقطة تركيز قويّة تستخدمها ضد النظام. مع ذلك، تبقى الرسالة المسيطرة ان نشاطاتهم تبقى جائزة ضمن حدود ولضحة ترسمها السلطات الحاكمة.

في الإجمال، تواجه هذه المجالس مشكلتين أساسيتين. الأولى، الفشل في التنظيم السياسي. يعبّر النواب في الخليج عن إحباطهم إزاء عدم تطوّر المجتمع السياسي، ولا سيما الوجود المحدود للمجموعات السياسية؛ ويبقى التأثير الفعلي لعدم جواز وجود أحزاب سياسية في تلك الدول هو أن السياسيين غالباً ما لا يملكون الإنضباط الذي يأتي مع العضوية بحزب سياسي، وبذلك، نادراً ما تعمل هذه المجالس بشكل استراتيجي او متماسك. ونتيجةً لذلك، تجد السلطات الحاكمة في كل من هذه البلدان سهولة نسبية في التلاعب بالنظام، وإلغاء السياسيين، وتقسيم أي معارضة في مرحلة باكرة.

المشكلة الثانية هي المجالس لم تستطيع أن ترسم دورا مميزا لها من شأنه ان يبدي أهميّيتها للشعب والحكومة، وبذلك تبقى عالقة ما بين الإثنين وغير قادرة على تحقيق ارادات اي منهما. يجب أن تثبت أهمّيتها. ويعني ذلك إقناع الرأي العام بأنها تمثل أفضل طريق الى التمكين السياسي، ومنها أنها تتيح مجالاً لتغيير مسار السياسات، أو تجعل الحكومات أكثر تجاوباً، أو تقدّم فوائد ملموسة للناخبين. وعليها أن تحاول أن تقتطع لنفسها دوراً في إدارة الدولة وسلطةً في ميادين السياسات الأساسية بحيث يصبح من المستحيل على الوزراء أن يتجاهلوها. الامكانية موجودة من دون شك، ولكن ان قرر البرلمانيون انتهاز الفرص، ينبغي على السياسيين أن يتنظّموا حول مبادئ بدلاً من الاكتفاء بمعارضة السلطة التنفيذية من حين لآخر. بعبارة أخرى، يتعيّن على النواب أن يبلوا بصورة أفضل بكثير في استخدام تأثيرهم إذا أرادوا انتزاع مزيد من السلطات الرسمية لمجالسهم.

غريغ باور مدير شركة “غلوبال بارتنرز أند أسوشييتس” ذات الأهداف الاجتماعية. سوف تُنشَر ورقته البحثية عن تطوّر البرلمانات في الخليج في الربيع المقبل في إطار البرنامج الكويتي للتنمية والحاكمية والعولمة في دول الخليج التابع لكلية لندن للاقتصاد

http://www.carnegieendowment.org/arb/?fa=show&article=42577&lang=ar

مصطفى الحسناوي دور وسائط التواصل الحديثة في التحولات العربية الراهنة المساء

دور وسائط التواصل الحديثة في التحولات العربية الراهنة
مواقع الأنترنت «تخلخل» المفاهيم العتيقة للثورة الجماهيرية

http://almassae.ma/node/16771

مصطفى الحسناوي
في خضم عالم معلوماتي ذابت فيه الضدية بين الافتراضي والواقعي، حيث الافتراضي رحم يولد منه الواقعي والوقائع الملموسة، في شتى تفاصيلها المسموعة والمرئية، الشاردات والواردات،

تصبح موردا للافتراضي وضمانة لمصداقيته، مكسبة إياه مقدرة هائلة على دفع الناس إلى معرفة الحقيقة كاملة غير منقوصة… ومن بين ثنايا هذا العالم، جاءت فكرة هذا الملف، الذي ستحاول فيه «المساء» الوقوف عند الدور الذي باتت تلعبه الثورة الرقمية والمعلوماتية المعاصرة في المتغيرات التي يشهدها العالم العربي، بالاستناد إلى عدة مؤشرات تضع القارئ في صورة ما يقع… ففي مجتمعات عربية مغلقة وأخرى تتهجى أبجديات الانفتاح، طرحت التقنية الرقمية منذ بداية دخولها إلى العالم العربي مشاكل حقوقية وقانونية وأخلاقية وسياسية وقيمية بالجملة، فالحاكم العربي /الراعي، الذي أسس بنيان حكمه على التعتيم والاختزال وتشويه حقائق الواقع وتزييفها، دون أن يتم اكتشاف جرمه، صعب عليه أن يأتيه حين من الدهر يصبح فيه مجبَرا على أن يعمل في المكشوف، لكونه عاجزا عن الاستمرار في «المستور»، فالمواطن العادي/الرعية لم يعد قاصرا جاهلا يكتفي بما يُصرَّح له به، فهو قادر على الوصول إلى المعلومة بحرية وأمان ودون أدنى مجهود.. بل ويصبح فاعلا في تغيير الواقع. إن حال الأنظمة العربية مع الثورة المعلوماتية كحال من أوصد أبوابه الهشة في وجه طوفان عارم، معتقدا أنه قد أمِن شرها، بينما الطوفان يهدر، ليقتلع في طريقه الأخضر واليابس… فبالأمس، أباد حافظ الأسد مدينة بكاملها تدعى «حماة» ولم ير أحد -حتى الآن- صور الضحايا، وقام بـ«توريث» سوريا لابنه، بكل أمان، أما بن علي، اليوم، فقتل 002 فقط ورأى العالم كله صورهم… وها هو طريد ومستجار في بلاد الآخرين.. إنها الثورة الرقمية…

لعب ظهور الأنترنت، دون شك، دورا هاما في تسريع نقل الأخبار والمعلومات وفي دمقرطة المعرفة والاتصال. وقد ارتبط ظهور الأنترنت، عموما، بالوظيفة المتزايدة التي أصبح «العالم الافتراضي» يلعبها في الحياة اليومية للناس، باعتباره مجالا للتفكير والتأمل في بدائل مغايرة للواقع المعيش. ينضاف إلى هذا أن الأنترنت، وعلى مستوى النقل السريع للمعلومات، ارتبط بهاجس السرعة التي اجتاحت المجتمعات الحديثة، سواء على مستوى التنقلات والترحيلات أو الحياة اليومية أو الاستهلاك وغيرها، حيث أصبحت ضغطة واحدة على زر في لوحة المفاتيح تُفضي بك إلى كنز هائل من المعلومات، في «غوغل» أو «ويكيبديا»… إلخ. الدور الآخر الذي لعبه الأنترنت، أيضا، هو أنه في المجتمع الحديث، حيث تسود العزلة الفردية، خلق عالما افتراضيا مشترَكا بين الناس، يتعرفون داخله على بعضهم البعض ويتبادلون الأفكار والاقتراحات، وحوَّل العالم بالتالي إلى قرية صغيرة افتراضية، ألغت المسافات والفروق بين القارات والهويات والأعراق والثقافات، قرية داخلها يعلن أي شخص كان حضوره وهويته، ويرسم البروفيل الذي اختاره لنفسه.
وسائط الاتصال تقرب بين الناس

لقد لعبت وسائط الاتصال الحديثة، المتمثلة خصوصا في المواقع والشبكات الاجتماعية، مثل «فايسبوك» و»تويتر» هذا الدور، أي التقريب بين الناس، الجمع بين الأفكار والطموحات والرغبات المشتركة، دفع الناس إلى اجتراح طرق التعبير عن آرائهم في حرية تامة، بعيدا عن الطابوهات وأشكال القمع الذاتية والجماعية وبعيدا عن الرقابة والمنع. لقد أصبحت هذه الشبكات الاجتماعية (Réseaux Sociaux) بمثابة «أغورا» (agora) إغريقية، أي ساحة مفتوحة لتبادل الآراء، فيها يعبر الفعَلة عن رغبتهم العارمة في الحياة وفي التمتع بالحرية وممارستها. وقد ازداد دور هذه الفضاءات الأنترنتية وتعاظم، خصوصا في المجتمعات التي يلفي داخلها الناس أنفسَهم -كأفراد أو كجماعة- محرومين من حرية التفكير والتعبير، مراقبين يوميا في أنماط التواصل بينهم، أي في مجتمعات تسلطية واستبدادية لا تعترف للمرء بحقه في المواطنة، وهو ما يحدث الآن في الصين وروسيا وفي العديد من البلدان العربية، حيث صار «فايسبوك» و«تويتر»، على مدى سنوات، المتنفَّسَ الوحيد للناس.
لعبت هذه الوسائط، إذن، دورا أساسا في مواكبة التحولات الحديثة التي تحدُث في أكثر من بقعة في العالم، كما في مولدافيا منذ سنوات، وفي إيران مؤخرا، مع انتفاضة «الحركة الخضراء»، إذ يكفي أن يتوفر المرء على هاتف محمول يصور به الأحداث مباشرة، كأي مراسل صحافي، لينقلها إلى الشبكة العنكبوتية وتنتشر عبر العالم، كما حدث مع مشهد اغتيال الطالبة ندى سلطاني من طرف أعضاء الحرس الثوري «الباسيج»، حيث انتشرت صورة وجهها الدامي في كل منتديات الأنترنت وصارت بمثابة «أيقونة» للشباب. لقد لعبت وسائط الاتصال الاجتماعية، مثل «فايسبوك» و«تويتر»، دورا أساسيا في تعبئة الشباب وفي نشر التوعية السياسية وفي توحيد توجهاتهم بالشكل الذي يحولهم إلى جماعة ضاغطة حقيقية في الشارع، تنادي من أجل التغيير وتمارس مواطنتها بالشكل الذي تراه ملائما. لقد خلقت هذه الوسائط جيلا من الشباب «الفايسبوكيين»، الذين قد يبدون عموما ككائنات افتراضية، ما دامت بورتريهاتهم والمعلومات عنهم موجودة في عالم افتراضي ولا أحد بإمكانه التحقق من صحتها، لكن هذه «الكائنات»، وهو ما تناساه الكثيرون، وخصوصا في الأنظمة السياسية التسلطية وأجهزتها الأمنية، هي مجرد امتدادات لأشخاص موجودين بالفعل، أشخاص من لحم ودم، لهم آراء ومشاعر وأفكار وطموحات، أشخاص هم أنفسهم هذا الحشد الهائل من الشباب الذي تجاوز بالكاد سن العشرين في الوطن العربي ولم يعرف غير البطالة وانعدام فرص الشغل وانسداد الآفاق والبؤس الاجتماعي واللا مساواة… حشد من الشباب ظل مقصيا من خيرات اقتصاد الريع، بمختلف أشكاله، ومن فوائد صعود مؤشر التنمية الاقتصادية إلى 5%. هنا بالذات، برز الدور الذي لعبته المدونات (Les blogues) والمدونون (blogueurs) في توحيد الآراء وفي خلق نوع من التصورات المشترَكة بين مستعملي «فايسبوك»، مثلا. لقد رأينا كيف أن المدونين ومستعملي «فايسبوك» و»تويتر» في مصر علقوا على أحداث تونس في صفحاتهم، مما أدى إلى ظهور ما يمكن تسميته ثورة متعاطي الأنترنت ورواده، الذين تبادلوا التهاني والتشجيعات، بحماس، على الشبكات الاجتماعية، حتى إن أحدهم كتب على «فايسبوك»: «التحقوا بثورة المرضى العقليين المصريين من أجل التغيير»، في إشارة ساخرة إلى إحراق البوعزيزي التونسي نفسَه. وخلف هذا الوصف الساخر كانت هناك دعوة جادة هي التي أسهمت في تجمع 25 جانْفْيي، إذ إن أكثر من خمسين ألفا من رواد الأنترنت المصريين أعلنوا، حسب المنظمين، إبان ذلك، أنهم قد يشاركون فيها.
لقد عوض «فايسبوك» و«تويتر»، إلى حد بعيد، الدور الذي كانت تلعبه الأحزاب والزعماء السياسيون في صياغة رؤى وأفكار نظرية من أجل التغيير وفي قيادته وتوجيهه، بل إن وسائط الاتصال الحديثة هذه غطت على «الإفلاس» المريع لهذه الأحزاب والشخصيات السياسية. لقد كان دالا أن أغلب هذه التحركات الجماهيرية الشبابية، التي هدفت إلى التغيير وحققته بالفعل، كانت متعددة المشارب والتوجهات، حيث بدت أحيانا كما لو أنها هلامية، تماما كما هي متعددة الشبكة العنكبوتية وغرف الدردشة التي داخلها يتحاورون ويتبادلون الآراء. داخل هذه الشبكات الاجتماعية، يمكن لأي كان أن يصير حزبَ نفسه وزعيمَ نفسه، دون الحاجة إلى أوصياء أو آباء إيديولوجيين رمزيين أو إلى فعلة سياسيين بدا أن الكثيرين منهم بعيدون، كلَّ البعد، عما يفكر فيه الشبان والشابات. كل شيء يقول إنهم شباب مُعوَلم، بنفس الشكل واللباس الذي يمكن أن تجد عليه حشود الشباب، سواء في ساحة «تيانانمين» أو في «ساحة التحرير» أو في «نهج بورقيبة» أو في غيرها من الأماكن. إن «ثورة الياسمين»، مثلا -وهو الاسم الذي أطلقته وسائل الإعلام الغربية على التحول السياسي الذي حدث في تونس- تحيل على أحداث أخرى، مثل «الثورة المخملية» في تشيكوسلوفاكيا، بعد انهيار جدار برلين (1987)، لكن التاريخ لا يكرر نفسه هنا، لأن تونس تمنحنا نمطا جديدا من التغيير السياسي يمكن أن نطلق عليه اسم «الثورات الناشئة أو الوليدة» (émergentes)، التي لم تستخلص دروسها إلى حد الآن، رغم أن الكثيرين، كما في بعض الجرائد المغربية، بدؤوا يكتبون نفس مقال الرأي تحت عنوان متشابه «دروس أو درس ثورة تونس»، علما أن ثورة 1917 نفسَها لم يبدأ الباحثون في استخلاص دروسها إلا عقودا بعد حدوثها. إن الشبان من حملة الشهادات، بنظاراتهم الطبية، هم الذين تقاطروا على نهج بورقيبة وعلى ميدان التحرير، «مسلَّحين» بهواتفهم المحمولة وبصفحاتهم على «فايسبوك»… إنها «ثورة النخب»، المنسجمة مع العولمة، ثورة النخب الطامحة إلى ولادة سياسية مغايرة غير التي عاشوها لسنوات، ثورة بلدان منخرطة في لعبة النمو الاقتصادي وفي خطاطة صندوق النقد الدولي، دول تبنّت، منذ سنوات، سياسة الخوصصة واستثمرت العديد من الأموال في قطاع التربية والتعليم وقامت بتوزيع العديد من الشهادات والدبلومات.
لقد اكتشف هؤلاء الشباب، الذين يشكلون نصف ساكنة الدول العربية، أن الشهادات لا تؤدي، بالضرورة، إلى الوظائف المأمولة وأن خيرات النمو موزَّعة بطريقة غير عادية ومنفلتة منهم لكنهم، عبر العولمة والأنترنت، كونوا تصورات وسيناريوهات عما يمكن أن يطمحوا إليه ويحققوه، لو أن بلدانهم لا تمارس «التوريث السياسي» ولا تكون فيها الرشوة هي القاعدة الأساس وتكون فيها انتخابات حرة ولا تستحوذ فيها نخبة لا تتجاوز خمسة أو عشرة في المائة على خيرات البلاد… إن ما يهدد هذه البلدان الناشئة اقتصاديا هو، بالتحديد، حجم المعرفة والعطش إلى التقدم، لدى هذه الفئة الاجتماعية الوليدة، وليس لدى «الخطر الإسلامي»، الذي كثيرا ما وظفته هذه الأنظمة التسلطية لممارسة القمع وإفراغ الساحة السياسية وطرح الفكرة التي سادت في تونس ومصر وفي غيرهما لسنوات والقائلة «إما النظام أو الإسلاميون». منذ سنوات، وبالضبط سنة 2002، دق التقرير الصريح والمؤلم حول التنمية البشرية في العالم العربي، والذي نشره برنامج الأمم المتحدة للتنمية (PNUD) ناقوس الخطر، حين سلّط الضوء على كوارث الحكامة الرديئة التي تمارسها الأنظمة التسلطية، وها هو الشارع يُذكّرها الآن بذلك. أمام قوة الأنترنت والشبكات الاجتماعية، مثل «فايسبوك»، عملت الأنظمة القمعية على تقوية أجهزتها الأمنية. لقد كان دالا في هذا السياق أن البوليس المصري كان يستخدم «فايسبوك» للتعرف على أولئك الذين يحاولون الدعوة إلى تنظيم تظاهرات محدودة العدد لاعتقالهم، لكن الأمر انقلب عليه وعوض أن يكون «فايسبوك» أداة قمعية، تحولت الوسائط الرقمية إلى وسائل للتحرر. وقد أتت تسريبات موقع «ويكليكس» مباشرة قبل ذلك، لتكشف، عبر الوثائق الدبلوماسية الأمريكية السرية، للعالم أجمع أن ما كان الحديث عنه يتم همسا هو حقائق ملموسة أثارت غضب النُّخَب المحلية الشابة في كل من تونس ومصر مثلا. لقد «منَع» النظام المصري «توتير» و«فايسبوك»، للحيلولة دون اتصال الناس في ما بينهم، لكن سرعان ما تضامنت «غوغل» معهم ووفرت لهم منذ فاتح فبراير خدمة جديدة للاتصال، إذ وضع العملاق الأمريكي خدمة هاتفية للسماح للمصريين بتجاوز انقطاع الأنترنت وإرسال رسائلهم على «تويتر». لقد كان دالا أن مجرد الدعوة إلى موعد في مكان ما كـ«نهج بورقيبة» في تونس، تؤدي إلى احتشاد الآلاف من حمَلة الشموع، ضمن احتفالات تُذكّر بماي 8691 في فرنسا، احتفالات سياسية يدعو فيها الشباب إلى تركه يضطلع بمهمة التغيير.
لقد أسهمت وسائل الاتصال الحديثة، المتمثلة في الشبكات الاجتماعية، مثل «فايسبوك» و«تويتر»، في خلق نوع من الصحافة التشاركية، التي ساهمت بدورها في حركة التغيير السياسي.
«الفايسبوك» كفضاء لتداول المعلومات

«كان كل شيء في تونس «مكمما» وكان «فايسبوك» الموقعَ الوحيد الذي يسمح لنا بتبادل المعلومات»، تقول لينا بن مهنّي، أشهر المدونات التونسيات، صاحبة مدونة (Tunisien girl). من الدال هنا الإشارة إلى أن المدون سليم عمامو، الذي اعتقله بن علي، صار الآن في الحكومة التونسية الجديدة سكرتيرَ دولة مسؤولا عن الشباب وأنه يعلق، مباشرة في «تويتر»، على كل مجلس من المجالس الحكومة، باسم أخلاق الشفافية والوضوح والتشاركية. إذا كان مركز الزلزال «الأنترنتي» والسياسي محددا في تونس ومصر، فقد امتدت دائرته وهزاته الارتدادية حتى أقصى شرق آسيا، حيث رأت دول مثل فيتنام والصين وسنغافورة في هذه الثورات الناشئة، نموذجا يهدد أنظمتها الأوتوقراطية بالمعجزة الاقتصادية في الصين، مثلا، والتي انتهى الغرب إلى القبول بها، باسم «القيم الأسيوية»، التي تظل، مع ذلك، نظرية وغير مقبولة، تماما كالحديث عن «الاستثناء العربي» الذي يعني الرفض القدَريَّ للديمقراطية. الدليل على هذا القلق القادم من أقصى شرق آسيا هو أن خدمة الأنترنت في الصين أوقفت إمكانية البحث في محركاتها انطلاقا من كلمة «Egypte»، كما أن التغطية الإعلامية الصينية ركزت فقط على مشاهد الفوضى والعنف والتخريب. تجمع الصين، مثل تونس ومصر، الكثير من السمات المرتبطة بالاقتصاديات الناشئة: نمو قوي، انعدام العدالة الاجتماعية، رشوة وحكامة رديئة ومجموعات هائلة من حملة الشهادات العاطلين، والخطر الأكبر بالنسبة إلى الصين هو أن يتمكن هذا العدد الكبير، يوما ما، من التواصل عبر «فايسبوك» أو «تويتر»، ليوحد كلمته ويتجاوز دفعة واحدة كل الجهد الكبير الذي تبذله أجهزة الرقابة الأمنية لـ«مراقبة» الأنترنت… والغريب أن الكثير من الأنظمة التسلطية تنسى، في خضم بحثها عن تأمين مصالحها السياسية والاقتصادية المافيوزية، أن شبكة اجتماعية، مثل «فايسبوك» أو غيرها، يمكن بسرعة وكفاءة عاليين، أن تعوض الساحة السياسية ككل، بأحزابها وصحفها وبياناتها ومواقفها، ويكفي هنا التذكير بأن واحدا من كل زائرَين للأنترنت يلج صفحته في «فايسبوك»، التي صارت الموقع الثالث في العالم من حيث عدد الزائرين، وأن هدف مارك زوكربيرغ، مؤسسِها، هو ولوج بورصة «وول سترت» والاستحواذ على الأنترنت كلها.
يتعاطى أغلب التونسيين، تماما كما شباب البلدان العربية، الأنترنت ويرتادون مواقعها ويتقنون تكنولوجيات التواصل. إنه الجيل الذي خلق، عبر المدونات و«فايسبوك» و«تويتر»، فضاءه الخاص والجماعي للحرية والاحتجاج. لقد فقد سؤال «ما العمل؟» اللينيني، بعدَه النظري وصار مرتبطا بكل شخص على حدة، وبكل صفحة من صفحات «فايسبوك». صار بإمكان كل واحد، انطلاقا من تصوره الخاص، أن يمارس على الجبهة الواقعية. يُبيِّن هذا، بالملموس، الدور الكبير الذي أصبحت الأنترنت تلعبه في العالم الحديث، باعتبارها وسيلة من وسائل العولمة الثقافية والسياسية. يتم ابتكار شكل للاحتجاج انطلاقا من العالم الافتراضي (الشبكات الاجتماعية «فايسبوك» و«تويتر»)، لكنْ سرعان ما يشتغل هاجس المحاكاة، ليتم تعميم ذلك الشكل عبر مناطق أخرى من العالم، بعيدا عن حدود الدول وسيادتها الوطنية. لقد لعبت الأنترنت دورا حاسما في هذا السياق، لأن التعبئة والتحرك تمّا، أساسا، انطلاقا من الشبكة العنكبوتية. دعا التونسيون، عبر «فايسبوك» و»تويتر»، المصريين إلى الخروج من عزلتهم، ليجيبهم هؤلاء قائلين، عبر مدوناتهم: «لم نعد وحدنا»، مسلحين بدعم الآلاف من رواد الأنترنت عبر العالم، ومن ضمنهم الجماعات التي يسمي نفسها «Anonymous»، وتتكون من «مناضلين» أنترنتيين هاجموا المواقع الحكومية. لقد بدأت الحركة المصرية، على نموذج الحركة التونسية، عبر تحديد مواعيد اللقاء والتجمع على «فايسبوك»، لـ«قصف» الأهداف قصفا افتراضيا، وحتى الملصقات والشعارات تم تقاسمها افتراضيا. على صورة إحدى الملصقات، هناك رأس فرعون ضاحك، بشنب ولحية صغيرة مكتوب تحتها: «اخرج! الموسم الثاني، الحلقة الأولى»… إنها ثورة الهواتف المحمولة التي عوضت، إلى حد كبير، كاميرات الفضائيات. تقول إحدى النصائح التي وجهها التونسيون للمصريين: «لا تنقصوا من سلطة الصور والفيديوهات، صوروا ما أمكنكم ذلك». كان رد فعل النظام المصري سريعا حين «قطع» الاتصال عبر شبكة الأنترنت، لكن رد الفعل تجاوز هذا القطع، تماما كما حدث في بيرمانيا (7002) وفي إيران (9002)، حيث ظل قطع الأنترنت جزئيا مع ذلك. لكن المصريين تجاوزوا قطع الاتصال هذا وسرعان ما «ابتكروا» أرقامَ تشفير سرية، لفتح هذا الفضاءات التي أفلتت من الرقابة الرسمية، حتى ولو كانت صغيرة، لتبادل الأخبار والمعلومات وللتعرف على المبادرات من خلالها بسرعة، وهو ما أربك الأجهزة الأمنية والرقابية ودفعها إلى المزيد من العنف، لأنها صارت عاجزة عن رد الفعل على المستوى الافتراضي، المرتبط بشبكة الانترنت.

«فيسبوك» و«تويتر» يؤديان إلى انهيار آليات القمع الممنهج
أظهر «فايسبوك» وباقي وسائط الاتصال الحديثة المرتبطة بالشبكة العنكبوتية أنه عامل من العوامل المهمة في شحذ الهمم وتعبئة الحشود وصياغة شعارات المرحلة من التحولات السياسية التي تعرفها بعض أقطار العالم العربي. أفرز هذا الأمر، أيضا، جيلا من المدونين الفاعلين بقوة في المجتمع المدني، يمكن تسميتهم المدونين -المقاومين أو المدونين -المنشقين، الذين جسّدوا، عبر كتاباتهم وإسهاماتهم، الحسَّ المدني الثاوي تحت أرتال القمع والرقابة، الحس الداعي إلى المواطنة كاملة الحقوق وإلى الحرية والمساواة في توزيع الثروة الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية. لقد كان زهير يحياوي في تونس أحدَ أوائل هؤلاء المدونين المنشقين الشبان، وقد مات في سجون زين العابدين بن علي سنة 5002، بعد أن قضى سنة ونصف في الاعتقال التعسفي وخاض ثلاثة إضرابات عن الطعام. نشر مجلة إلكترونية بعنوان «tunizine» وكان يوقع مقالاته باسم «التونسي»… كان زهير يحياوي أولَ ضحية لـ«القمع الأمني الإلكتروني»، فقط لأنه نشر رسالة للقاضي مختار يحياوي، عمه، الذي فصله نظام بن علي، لرفضه إصدار أحكام انطلاقا من تعليمات خارجية داعية إلى خرق القانون. كان كل شيء في مدونة زهير يحياوي مفتوحا على هذا «الممكن»، الذي سرعان ما تجسَّد سنوات بعد ذلك، انطلاقا من التخيلات السياسية الجريئة والسخرية السوداء والمقالات التحليلية، ليتم القبض عليه في النهاية، بتُهم نشر أخبار كاذبة وسرقة وسائل اتصال والاستعمال السري لها. لم يكن يحياوي غيرَ «عنوان» دال على هذا الجيل القادم، من مرتادي شبكة الأنترنت والمواقع الافتراضية والمدونات، الجيل الذي بيَّن بالملموس أن الاختيار المفروض من طرف الأنظمة العربية بيْن البديل الإسلامي المتطرف أو استمرارية النظام العربي القمعي ليس الاختيارَ الوحيد أمام شباب تشرَّب -بعمق- مكومات العولمة الإعلامية والتواصلية والثقافية. انطلاقا من هنا بالذات، يمكن القول إن التحولات السياسية الملموسة في العالم العربي لم تعد تصاغ في اجتماعات المكاتب السياسية للأحزاب ولا في بيانات المثقفين واجتماعاتهم الماراطونية، بل في غرف الدردشة والمدونات…
إنه مجرد تفسير، من ضمن تفسيرات أخرى، لانهيار النظام الأمني العربي، الذي بلور الدولة الأمنية المفصولة عن الشعب وطموحاته، إلى جانب أخرى، كالانفجار الديموغرافي ونِسَب الدولة الريعية (من الريع) التي استحوذت على ثروات بلدانها، ومشكلات التوريث في الجمهوريات الوراثية (سوريا… إلخ). لقد وجدت الدولة الأمنية نفسها، بغتة، أمام جيل من الشباب، نما وترعرع في أحضان غرف الدردشة ومواقع الأنترنت وصفحات «فايسبوك» و«تويتر»، جيل بدا لها صعبَ الفهم، نظرا إلى اختلاف مرجعياته عن مرجعيات النخب الدولتية (من الدولة) والحزبية والثقافية التي صارت مكونة من مجموعة من الشيوخ والعجَزة… لقد كان دالا جدا أن بن علي كرَّر، في خطابه الأخير، الذي كان خطاب الارتباك والخوف والعجز والإحساس بنهاية اللعبة، لفظة «فهمتكومْ»، بالدارجة التونسية مرات، لكنْ بعد فوات الأوان. لم يفهم النظام الأمني العربي أجياله الأنترنتية الشابة، بالرغم من التطور المدهش للأنترنت والشبكات الاجتماعية، الذي كان يحدث تحت أنفه وقريبا جدا من أجهزة رقابته ومخابرته. يكفي هنا التذكير بأن بلدانا، مثل تونس ومصر والمغرب، تعرف نسبة استعمال للأنترنت تتجاوز ما هو معروف في دول متقدمة، مثل الأرجنتين وتركيا والشيلي، وهو ما يترجم، إلى حد ما، مطلبا ظل صامتا وسريا لسنوات، في الخروج من الانغلاق الذي يعاش من طرف هذه الأجيال كبؤس وجودي وحياتي. هكذا صارت الشبكات الاجتماعية ومواقع الأنترنت والمدونات رأسَ حربة المجتمعات المدنية العربية. يتعلق الأمر بتحول جذري في أشكال التمرد والاحتجاج لم يعد معها ممكنا بقاءُ المطالب والحركات الاحتجاجية داخل فضاء محكم الإغلاق!…